إيران في “البرزخ”.. اقتصاد ينهار وضغوط متصاعدة تهدد الداخل
احتجاجات وأزمة معيشية متفاقمة وسط مخاوف من تحوّل الضغوط الاقتصادية إلى تهديد للاستقرار الداخلي في إيران


لم تدخل إيران مرحلة سلام حقيقي بعد تراجع حدة المواجهة العسكرية، لكنها في الوقت نفسه لم تخرج بالكامل من دائرة الحرب. فالمشهد الإيراني الحالي يبدو أقرب إلى "برزخ سياسي واقتصادي" تتداخل فيه الضغوط الأمنية مع الأزمات المعيشية والانكماش الاقتصادي، وسط حالة غموض عميقة بشأن مستقبل المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واحتمالات عودة التصعيد العسكري في أي لحظة.
وفي ظل هذا الواقع، تتنامى داخل الأوساط الإيرانية مخاوف من أن تكون واشنطن وتل أبيب قد انتقلتا من خيار المواجهة المباشرة إلى استراتيجية «الاستنزاف طويل الأمد»، عبر إبقاء إيران تحت ضغط نفسي واقتصادي دائم، بما يؤدي تدريجياً إلى إنهاك المجتمع من الداخل وإضعاف قدرة الدولة على الصمود.
اقتصاد معلق على أخبار الحرب
انعكست حالة التوتر السياسي وانسداد الأفق الدبلوماسي بصورة مباشرة على الاقتصاد الإيراني، الذي بات شديد الحساسية تجاه أي تطور أمني أو تصريح سياسي. ومع استمرار العقوبات وتراجع قيمة الريال وارتفاع معدلات التضخم، تعيش الطبقة الوسطى الإيرانية واحدة من أصعب مراحلها منذ سنوات.
ولا تبدو الأزمة مقتصرة على الأفراد، إذ يتحدث أصحاب الأعمال والتجار عن حالة ركود غير مسبوقة.
في موازاة الأزمة الاقتصادية، يتزايد القلق داخل إيران من احتمال تغير طبيعة أي مواجهة عسكرية مقبلة، بحيث تنتقل من الضربات التقليدية إلى استهداف مباشر للبنى التحتية الحيوية.
وتفاقمت هذه المخاوف مع استمرار القيود على الإنترنت الدولي، وتعطل بعض الخدمات الرقمية والمصرفية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حياة آلاف العاملين في الاقتصاد الرقمي.
من الحرب العسكرية إلى حرب الاستنزاف
يرى مراقبون أن الضغوط الاقتصادية والنفسية المتواصلة قد تكون جزءاً من مقاربة أميركية إسرائيلية جديدة تقوم على إنهاك الداخل الإيراني تدريجياً، بعدما فشلت المواجهة المباشرة في تحقيق أهداف حاسمة.
احتجاجات واتساع الغضب الشعبي
تزامناً مع تعقد المشهد الاقتصادي، شهدت مدن إيرانية عدة موجة احتجاجات وإضرابات واسعة بسبب تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار وانهيار قيمة الريال.
وامتدت الإضرابات من سوق طهران الكبير إلى مدن مثل أصفهان وشيراز ومشهد وكرج، فيما أغلقت محال تجارية وأسواق رئيسية أبوابها احتجاجاً على الغلاء وتراجع القدرة الشرائية.
كما دفعت الأزمة الرئيس الإيراني مسعود بزكشيان إلى مطالبة وزارة الداخلية بالاستماع إلى "المطالب المشروعة" للمتظاهرين، في وقت قدم فيه محافظ البنك المركزي محمد رضا فرزين استقالته مع استمرار انهيار العملة المحلية.
وتتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار الفوضى الاقتصادية إلى اتساع رقعة الغضب الشعبي، خاصة مع فشل الحكومة حتى الآن في ضبط سوق الصرف أو احتواء التضخم الذي تجاوز مستويات قياسية.
السلطة تراهن على الصمود
في المقابل، تؤكد شخصيات مقربة من دوائر الحكم أن إيران ما زالت قادرة على تجاوز الأزمة، وأن ما يجري يمثل جزءاً من «حرب إرادات» طويلة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ورغم تصاعد الضغوط، لا يزال جزء من الرأي العام الإيراني يعتبر أن ما يحدث يمثل ثمناً للحفاظ على "الاستقلال والسيادة الوطنية"، في مواجهة ما يصفونه بمحاولات أميركية إسرائيلية لفرض واقع سياسي جديد على المنطقة.
لكن في المقابل، تتزايد داخل المجتمع الإيراني مؤشرات القلق والإرهاق الجماعي، في ظل استمرار الغموض السياسي، وتعثر المفاوضات، والانهيار الاقتصادي التدريجي.
وبينما تراهن واشنطن وتل أبيب على أن يؤدي الإنهاك البطيء إلى إضعاف الداخل الإيراني، تبدو طهران أمام اختبار معقد: هل تستطيع تحويل الصمود إلى استقرار طويل الأمد، أم أن الضغوط المتراكمة ستفتح الباب أمام مرحلة أكثر اضطراباً في الداخل الإيراني؟