- i24NEWS
- تحليلات وأراء
- الحرب مع إيران تشعل أسواق الطاقة: هل يقترب الاقتصاد العالمي من ركود تضخمي؟
الحرب مع إيران تشعل أسواق الطاقة: هل يقترب الاقتصاد العالمي من ركود تضخمي؟
ارتفاع أسعار النفط وتعطل الملاحة في مضيق هرمز يثيران مخاوف من صدمة طاقة عالمية قد تدفع الاقتصاد الدولي نحو ركود تضخمي

تتزايد المخاوف في الأوساط الاقتصادية الدولية من أن تقود الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى دخول الاقتصاد العالمي مرحلة "الركود التضخمي"، وهي الحالة التي يتزامن فيها تباطؤ النمو الاقتصادي مع ارتفاع معدلات التضخم، في ظل اضطرابات حادة في أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
ومع اتساع رقعة المواجهة في منطقة الخليج، بدأت الأسواق العالمية تعيد تسعير المخاطر الجيوسياسية بسرعة، وسط قفزة ملحوظة في أسعار النفط والغاز، وتراجع حاد في أسواق الأسهم، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وهو ما يضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة جديدة قد تكون الأشد منذ أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022.
صدمة النفط في قلب الأزمة
منذ اندلاع الحرب، سجلت أسعار النفط ارتفاعًا حادًا، إذ تجاوز سعر البرميل عتبة 115 دولارًا، وهو أعلى مستوى منذ سنوات، بعدما كان يقارب 60 دولارًا فقط مطلع العام.
ويرتبط هذا الارتفاع بشكل مباشر بتعطل الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة النفط والغاز المنقول بحرًا عالميًا. ويعني أي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر الحيوي احتمال فقدان ملايين البراميل يوميًا من السوق العالمية.
وتحذر تقديرات اقتصادية من أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة. فبعض السيناريوهات تشير إلى احتمال وصول السعر إلى 145 دولارًا للبرميل خلال أسابيع، وربما إلى 185 دولارًا إذا استمر الصراع ثلاثة أشهر، وهو ما قد يشكل صدمة طاقة عالمية واسعة النطاق.
كما امتدت الارتفاعات إلى أسواق الغاز الطبيعي والأسمدة، ما يزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات المختلفة، ويهدد بارتفاع أسعار الغذاء في العديد من الدول.
الأسواق العالمية تحت الضغط
ردّت الأسواق المالية بسرعة على هذه التطورات، إذ سجلت البورصات الآسيوية تراجعات حادة مع بداية الأسبوع. فقد انخفض مؤشر نيكاي الياباني بأكثر من 6 في المئة، بينما تراجع مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بأكثر من 7 في المئة، وسط مخاوف من انتقال العدوى إلى الأسواق الأوروبية والأميركية.
ويخشى المستثمرون أن يؤدي استمرار التوتر في الخليج إلى تعطيل إمدادات الطاقة العالمية لفترة طويلة، ما قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى تباطؤ حاد في النمو.
موجة تضخم جديدة
يرى اقتصاديون أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يقود إلى موجة تضخم جديدة في العديد من الاقتصادات الكبرى.
ففي الولايات المتحدة، قد يرتفع معدل التضخم إلى نحو 3.7 في المئة إذا استقر النفط عند مستوى 100 دولار للبرميل، بينما بدأت آثار الأزمة تظهر بالفعل في أسعار الوقود، التي ارتفعت بنحو 50 سنتًا للغالون خلال أسبوع واحد.
وفي أوروبا، التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بنحو 67 في المئة خلال الأسبوع الأول من الحرب، ما قد يدفع التضخم إلى مستويات أعلى في كل من بريطانيا ومنطقة اليورو.
أما في آسيا، فقد تواجه اقتصادات كبرى مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان ضغوطًا إضافية بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط.
معضلة البنوك المركزية
تضع هذه التطورات البنوك المركزية العالمية أمام معادلة صعبة.
فمن جهة، يؤدي ارتفاع أسعار٦ الطاقة إلى زيادة التضخم، ما يدفع صناع القرار إلى التفكير في رفع أسعار الفائدة لكبح الأسعار. ومن جهة أخرى، فإن تشديد السياسة النقدية قد يؤدي إلى إبطاء النمو الاقتصادي وزيادة خطر الركود.
وكانت التوقعات قبل اندلاع الحرب تشير إلى احتمال خفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وبريطانيا خلال عام 2026، لكن هذه التوقعات تغيرت الآن، مع احتمال تأجيل أي تخفيف للسياسة النقدية حتى نهاية العام.
الكلفة الاقتصادية للحرب
ولا تقتصر فاتورة الحرب على الأسواق وحدها، بل تشمل أيضًا الكلفة العسكرية المباشرة.
تشير تقديرات أولية إلى أن العمليات العسكرية قد تكلف الولايات المتحدة نحو مليار دولار يوميًا، في حين قد تصل الكلفة الإجمالية للحرب إلى ما بين 40 و95 مليار دولار إذا استمر الصراع لفترة طويلة.
أما إسرائيل، فتقدر خسائر اقتصادها بنحو 9 مليارات شيكل أسبوعيًا نتيجة القيود الأمنية وتعطل جزء من النشاط الاقتصادي.
وفي المقابل، تواجه إيران خسائر اقتصادية كبيرة بسبب تراجع صادرات النفط وتضرر البنية التحتية وتعطل قطاعات اقتصادية٦ واسعة.
صدمة تتجاوز الطاقة
تتجاوز تداعيات الحرب قطاع الطاقة لتصل إلى التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
فمع ارتفاع المخاطر الأمنية في الخليج، قفزت تكاليف التأمين البحري ضد أخطار الحرب بأكثر من 1000 في المئة في بعض الحالات، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف نقل النفط والغاز والسلع.
كما أدى تعطل شحنات الأسمدة عبر الخليج إلى ارتفاع أسعارها عالميًا، وهو ما قد ينعكس لاحقًا على أسعار الغذاء، خصوصًا في الدول الفقيرة.
هل يستطيع الاقتصاد العالمي الصمود؟
رغم هذه المخاطر، يرى بعض الاقتصاديين أن الاقتصاد العالمي أظهر في السنوات الأخيرة قدرة على امتصاص الصدمات، كما حدث بعد جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا.
لكن العامل الحاسم هذه المرة يتمثل في مدة الحرب ومدى اتساعها. فإذا عاد النفط إلى مستويات تتراوح بين 70 و80 دولارًا للبرميل، فقد يتمكن الاقتصاد العالمي من تجاوز الأزمة دون أضرار كبيرة.
أما إذا استمر الصراع أو تعطل تدفق الطاقة عبر الخليج لفترة طويلة، فقد يجد العالم نفسه أمام سيناريو يعيد إلى الأذهان صدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي، عندما أدى ارتفاع الأسعار إلى دخول العديد من الاقتصادات في فترات ركود طويلة.
فهل تتحول حرب إيران إلى صدمة طاقة عالمية تقود الاقتصاد الدولي نحو "الركود التضخمي"، أم يتمكن العالم من احتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى أزمة اقتصادية شاملة؟
