- i24NEWS
- تحليلات وأراء
- واشنطن تحاصر إيران من بوابة القاهرة.. بنك مصر في قلب معركة مالية عابرة للحدود
واشنطن تحاصر إيران من بوابة القاهرة.. بنك مصر في قلب معركة مالية عابرة للحدود
الإجراء الأميركي المقترح ضد فروع بنك مصر بالإمارات بسبب معاملات مرتبطة بشبكات إيرانية يضع مصر أمام اختبار حساس بين الحفاظ على قنوات تواصل مع طهران وتجنب تداعيات قد تطال علاقاتها بالنظام المالي الدولي

تختبر الخطوة الأمريكية المقترحة ضد فروع بنك مصر في الإمارات حدود قدرة القاهرة على الحفاظ على قنواتها المفتوحة مع طهران، من دون تعريض علاقاتها بالنظام المالي الدولي لمخاطر إضافية.
وبحسب مصادر مصرية مطلعة نقلت عنها وسائل إعلام مصرية، لا يستهدف الإجراء الأميركي القاهرة مباشرة، ولا يبدو أنه محاولة للضغط على مصر للانخراط في المواجهة مع إيران، بل يأتي في إطار حملة أوسع تقودها واشنطن لتجفيف قنوات التمويل التي تستخدمها طهران للالتفاف على العقوبات والوصول إلى الدولار.
ومع ذلك، فإن استهداف مؤسسة مصرفية مصرية تعمل في الإمارات يضع القاهرة أمام معادلة حساسة: كيف تحافظ على هامش علاقاتها مع إيران، وفي الوقت نفسه تمنع تعرض قطاعها المصرفي لعقوبات أو قيود أميركية؟
واشنطن تستهدف «اقتصاد الظل» الإيراني
الخطوة الأميركية تأتي في سياق تشديد إدارة الرئيس دونالد ترامب الضغوط الاقتصادية على إيران، وملاحقة الوسطاء والبنوك والشركات التي يُشتبه في استخدامها لتسهيل حركة الأموال الإيرانية خارج منظومة العقوبات.
واقترحت وزارة الخزانة الأميركية منع المؤسسات المالية الأميركية من فتح أو الحفاظ على حسابات مراسلة مع فروع بنك مصر في الإمارات، على خلفية اتهامات بمعالجة معاملات مرتبطة بما تصفه واشنطن بشبكات الظل المصرفية الإيرانية.
وبحسب البيانات الأميركية، عالجت الفروع معاملات بلغت قيمتها نحو 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات خلال الفترة بين كانون الثاني/يناير 2024 وحزيران/يونيو 2026، وتعتقد السلطات الأميركية أن جزءًا من هذه المعاملات قد يكون مرتبطًا بشبكات تستخدمها إيران لتجاوز العقوبات.
وتقول واشنطن إن بعض الشركات المتعاملة مع الفروع كانت تعمل لصالح جهات إيرانية خاضعة للعقوبات، بما في ذلك وزارة الدفاع والحرس الثوري، وإن بعضها ساعد طهران على الوصول إلى الدولار واستخدام النظام المالي الدولي رغم القيود المفروضة عليها.
لماذا بنك مصر؟
لا يبدو اختيار بنك مصر عشوائيًا من منظور واشنطن. البنك، أحد أكبر المؤسسات المصرفية المصرية، يمتلك حضورًا طويلًا في الإمارات، ويقدم خدمات للأفراد والشركات والاستثمارات، كما يشكل جزءًا من البنية المالية التي يعتمد عليها المصريون العاملون في الخليج لتحويل الأموال إلى مصر.
وتشير المعطيات الواردة في الملف إلى أن البنك يعمل في الإمارات منذ نحو أربعة عقود، وله فروع في أبوظبي ودبي والشارقة ورأس الخيمة.
وبالتالي، فإن استهداف فروعه الإماراتية يسمح لواشنطن بتوجيه ضربة محددة إلى قناة مالية يُشتبه في استخدامها لصالح إيران، من دون اتخاذ إجراء مباشر ضد بنك مصر داخل الأراضي المصرية.
وهذا تحديدًا ما يجعل الإجراء حساسًا: واشنطن تحاول عزل القناة الإيرانية المستهدفة، بينما تحاول القاهرة منع تحول العقوبة المحدودة إلى أزمة مصرفية أوسع.
الإجراء لم يصبح نهائيًا بعد
حتى الآن، لا تزال الخطوة الأميركية في مرحلة الاقتراح، ولم تتحول إلى قرار نهائي وتخضع الإجراءات لفترة تبلغ 30 يومًا لتلقي الملاحظات واستكمال المراجعة القانونية قبل اتخاذ القرار النهائي. كما أن نطاقها، وفق المعطيات المتاحة، يقتصر على فروع بنك مصر في الإمارات، ولا يشمل البنك داخل مصر أو فروعه في دول أخرى. هذه النقطة مهمة بالنسبة إلى القاهرة، التي تسعى إلى منع الأسواق والمؤسسات المالية الدولية من التعامل مع الإجراء باعتباره عقوبة تستهدف بنك مصر ككل.
القاهرة وأبوظبي تتحركان
في مواجهة التطور، بدأ البنك المركزي المصري ومصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي تنسيقًا مشتركًا لاحتواء تداعيات الإجراء الأميركي.
وأكد البنكان التعاون المستمر بشأن فروع بنك مصر في الإمارات، فيما قالت الفروع إنها ستتخذ الإجراءات اللازمة خلال المهلة المحددة لضمان استمرار أعمالها وتقديم خدماتها للعملاء.
وفي الوقت نفسه، أعلن بنك مصر أنه يراجع الاتهامات والبيانات الواردة في الإجراء الأميركي، وأنه سيتواصل مع وزارة الخزانة الأميركية للحصول على مزيد من المعلومات وتقديم رده ضمن المهلة القانونية.
أما البنك المركزي المصري، فأوضح أن التأثير المحتمل للإجراء يقتصر على معاملات الفروع الإماراتية مع البنوك المراسلة بالدولار، ولا يمتد إلى العمليات المحلية لبنك مصر أو إلى البنوك المصرية الأخرى. كما أكد وجود اتصالات مع الجانب الأميركي بالتنسيق مع وزارة الخارجية.
الإمارات تفتح تحقيقًا مصرفيًا
لم تكتفِ أبوظبي بالتنسيق مع القاهرة، مصرف الإمارات المركزي أعلن إخضاع فروع بنك مصر العاملة في الدولة لمراجعة خاصة وعاجلة، تشمل تدقيقًا معمقًا في العمليات المصرفية التي تناولتها الوثائق الأميركية، مع تركيز خاص على معاملات الشركات التي وردت في الملف الأميركي.
وتعكس هذه الخطوة حرص الإمارات على عدم السماح بأن تتحول بنيتها المصرفية إلى قناة للالتفاف على العقوبات الأميركية.
وأكد المصرف أن البنوك المرخصة في الإمارات مطالبة بعدم تعريض النظام المالي لمخاطر تتعلق بالسمعة، وباحترام القوانين ذات الصلة بالمعاملات الدولية. كما أشار إلى أنه يدرس الخيارات المتاحة بشأن الفروع في حال أصبح الإجراء الأميركي نهائيًا.
القاهرة وطهران: تقارب محدود وحسابات دقيقة
ويأتي التصعيد المالي الأميركي في وقت تحاول فيه مصر وإيران إبقاء قنوات الاتصال السياسية مفتوحة.
خلال السنوات الأخيرة، كثفت القاهرة وطهران الاتصالات بشأن عدد من الملفات الإقليمية، خصوصًا ما يتعلق بخفض التصعيد والأزمات في المنطقة. لكن هذا الانفتاح بقي محدودًا ومحكومًا بحسابات دقيقة.
العلاقات المصرية-الإيرانية لم تصل إلى مستوى شراكة استراتيجية أو تعاون اقتصادي واسع، كما أن القاهرة لم تنتقل إلى تحالف مع طهران في الملفات الأمنية والعسكرية.
ويرى باحثون أن الانفتاح المصري على إيران لا يزال محدودًا، وأن القاهرة تحرص على إبقاء العلاقات ضمن إطار دبلوماسي وسياسي، مع استمرار الحذر في الملفات الأمنية والاقتصادية الحساسة. بمعنى أن البلدين لم يصلا حتى الآن إلى استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة عبر تبادل السفراء.
العقوبات لا تستهدف مصر.. لكنها قد تضيق هامشها
من هذه الزاوية، لا تبدو الخطوة الأميركية رسالة مباشرة إلى القاهرة بسبب موقفها من إيران، بقدر ما تبدو جزءًا من استراتيجية أوسع تستهدف شبكة الالتفاف على العقوبات. لكن غياب الاستهداف السياسي المباشر لا يعني غياب التأثير السياسي. فكلما اتسعت العقوبات الأميركية على الشبكات المالية الإيرانية، تقلصت المساحة المتاحة أمام الدول التي ترغب في تطوير علاقاتها الاقتصادية مع طهران. وهنا تجد مصر نفسها أمام خيار بالغ الحساسية: يمكنها مواصلة اتصالاتها السياسية مع إيران، لكنها ستكون مضطرة إلى تشديد الرقابة على أي تعامل مالي قد يُفسر في واشنطن باعتباره مساعدة لطهران على تجاوز العقوبات.
بمعنى آخر، قد لا تحتاج واشنطن إلى الضغط سياسيًا على القاهرة لتقييد علاقتها بإيران؛ يكفي أن تجعل تكلفة المخاطرة المصرفية مرتفعة.
"إذا ثبت التورط.. المشكلة مصرفية"
ويرى مراقبون أن أي تورط لفروع بنك مصر في معاملات مرتبطة بشبكات إيرانية، إذا ثبت، قد يكون نتيجة خلل في إجراءات الامتثال أو عدم الانتباه إلى طبيعة العملاء والمعاملات، وليس بالضرورة نتيجة قرار سياسي مصري أو وجود توجيه رسمي لمساعدة إيران.
ويشير هذا التفسير إلى فارق مهم بين سياسة الدولة تجاه إيران وبين إدارة المخاطر داخل مؤسسة مصرفية تعمل في بيئة مالية دولية شديدة الحساسية. القاهرة، ليست معنية بتحدي العقوبات الأميركية، ولا تملك مصلحة في تعريض علاقاتها مع البنوك الأميركية والأوروبية للخطر، خصوصًا في ظل اعتماد الاقتصاد المصري على تدفقات رأس المال الأجنبي. ويبلغ حجم حيازات المستثمرين الأجانب من أدوات الدين المصرية أكثر من 40 مليار دولار، ما يجعل استقرار العلاقات مع النظام المالي العالمي مسألة ذات أهمية مباشرة بالنسبة إلى القاهرة.
الخطر الأكبر: "عدوى" مصرفية
ورغم أن الإجراء الأميركي مصمم لاستهداف فروع محددة في الإمارات، فإن الخطر بالنسبة إلى مصر يكمن في احتمال أن تتعامل بنوك دولية أخرى مع بنك مصر باعتباره مؤسسة ذات مخاطر أعلى.
وهذا ما يعرف في القطاع المالي بـخفض المخاطر أو De-risking، حيث قد تختار البنوك الدولية تقليص تعاملاتها مع مؤسسة معينة، حتى من دون فرض عقوبات مباشرة عليها، لتجنب أي احتمال للتعرض للعقوبات الأميركية.
وقد نقلت "وول ستريت جورنال" عن خبراء أن تصميم الإجراء الأميركي يستهدف فروع بنك مصر في الإمارات تحديدًا، لكن ذلك لا يضمن منع التداعيات غير المباشرة على البنك الأم وعلاقاته بالمؤسسات المالية الدولية.
وهنا تكمن حساسية الملف بالنسبة إلى القاهرة: المشكلة ليست فقط في خسارة بعض قنوات الدولار في الإمارات، وإنما في احتمال أن يؤدي الإجراء إلى رفع كلفة التعامل مع بنك مصر في أسواق أخرى.
رسالة إلى بنوك المنطقة
من منظور واشنطن، قد تكون الرسالة أوسع من بنك مصر نفسه. الولايات المتحدة تحاول إظهار أن المؤسسات المالية التي تساعد إيران على الوصول إلى الدولار أو النظام المالي العالمي يمكن أن تصبح هدفًا للعقوبات، حتى لو كانت خارج إيران.
وتشير المعطيات إلى أن العقوبات الأميركية السابقة طاولت شركات وأفرادًا في الإمارات وسلطنة عمان، فيما تشكل دول مثل العراق وروسيا والصين وعمان والإمارات أجزاء مهمة من المسارات التجارية والمالية المرتبطة بإيران.
لذلك، فإن قضية بنك مصر قد تحمل رسالة ردع إلى مؤسسات مالية أخرى في المنطقة: التعامل مع إيران لا ينتهي عند الحدود الإيرانية، والمخاطر القانونية والمالية يمكن أن تصل إلى أي بنك أو شركة توفر لطهران منفذًا إلى النظام المالي الدولي.
مصر أمام معادلة صعبة
في النهاية، لا يبدو أن الأزمة الحالية تعكس مواجهة مصرية-أميركية مباشرة، ولا تشير المعطيات المتاحة إلى أن واشنطن تستخدم بنك مصر للضغط على القاهرة بسبب موقفها السياسي من الحرب على إيران. لكنها تكشف عن مشكلة أكثر تعقيدًا. مصر تريد الاحتفاظ بقنوات الاتصال مع طهران، خصوصًا في الملفات الإقليمية، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تحمل صدام مع النظام المالي الأميركي، الذي يشكل جزءًا أساسيًا من البنية التي يعتمد عليها الاقتصاد المصري. وبالتالي، فإن الإجراء الأميركي قد لا يدفع القاهرة إلى قطع علاقاتها مع إيران، لكنه قد يدفع المؤسسات المصرية إلى رفع مستوى التدقيق والامتثال وتقليص هامش المخاطرة في التعاملات الإيرانية.
وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي تفرضه قضية بنك مصر: ليس ما إذا كانت القاهرة ستختار واشنطن أو طهران، بل إلى أي حد تستطيع مصر الحفاظ على سياسة الانفتاح الدبلوماسي على إيران من دون أن تدفع مؤسساتها المالية ثمن هذا الانفتاح.
