- i24NEWS
- تحليلات وأراء
- سباق السلاح في أوروبا: هل تنجح القارة في فك الارتباط عن واشنطن؟
سباق السلاح في أوروبا: هل تنجح القارة في فك الارتباط عن واشنطن؟
تسارع التسلّح الأوروبي يكشف فجوة بين الطموح للوحدة الدفاعية والخلافات العميقة بين القوى الكبرى

تشهد أوروبا تسارعاً غير مسبوق في خطط إعادة التسلّح، مدفوعة بتداعيات الحرب في أوكرانيا وتزايد الشكوك حول استمرارية المظلة الأميركية. غير أن هذا الزخم العسكري يترافق مع خلافات متنامية بين القوى الأوروبية الكبرى، ما يطرح تساؤلات حول قدرة القارة على تحويل الإنفاق الدفاعي المتصاعد إلى مشروع استراتيجي موحّد.
تحوّل ألماني يعيد رسم العقيدة الدفاعية
تسير ألمانيا نحو إعادة تعريف دورها العسكري داخل أوروبا، من خلال استراتيجية دفاعية طويلة الأمد تضع التهديد الروسي في صدارة الأولويات، مع الحفاظ على الشراكة مع الولايات المتحدة. وتشمل الخطة رفع عديد القوات إلى نحو 460 ألف جندي، وتعزيز الجاهزية القتالية، إلى جانب إدماج الأمن السيبراني كركيزة مستقلة.
ويرى محللون أن برلين تسعى إلى ترسيخ موقعها كقوة عسكرية مركزية داخل حلف “الناتو”، خصوصاً في ظل تركيزها على الجبهة الشرقية، وهو ما يعكس تحولاً لافتاً مقارنة بعقيدتها الدفاعية التقليدية بعد الحرب الباردة.
فرنسا تدفع نحو "اقتصاد الحرب" واستقلال القرار
في المقابل، تتبنى فرنسا مقاربة أكثر هجومية تقوم على تعزيز “السيادة الدفاعية”، عبر زيادة ميزانيتها العسكرية إلى 413 مليار يورو للفترة 2024–2030، مع خطط لتوسيع القدرات الصاروخية والفضائية وبناء حاملة طائرات نووية جديدة.
ويرى مراقبون أن باريس تسعى لقيادة مشروع دفاع أوروبي مستقل، بما في ذلك طرح فكرة “مظلة نووية أوروبية”، في محاولة لتقليص الاعتماد على واشنطن، وتعزيز دورها كقوة نووية محورية داخل القارة.
مشاريع مشتركة متعثرة وصراع صناعي
رغم تقاطع الأهداف، تواجه المشاريع الدفاعية المشتركة عراقيل متزايدة، أبرزها مشروع المقاتلة الأوروبية المستقبلية (SCAF)، الذي يعكس صراعاً بين الرؤية الفرنسية القائمة على القيادة الصناعية، والموقف الألماني الداعي إلى شراكة متوازنة.
ويرى محللون أن الخلاف يتجاوز البعد التقني إلى تناقض أعمق في العقيدة العسكرية، بين توجه فرنسي أكثر استقلالية، وآخر ألماني مرتبط ببنية “الناتو”، ما أدى إلى تعطيل مشاريع أخرى، مثل الطائرات المسيّرة والدبابات المشتركة.
ضغوط جيوسياسية وتباين في الأولويات
تتفاقم هذه الخلافات في ظل بيئة دولية مضطربة، مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوتر مع روسيا، إلى جانب تراجع الثقة الأوروبية بالالتزام الأميركي طويل الأمد.
ويرى مراقبون أن الاتحاد الأوروبي يواجه معضلة هيكلية، تتمثل في تعدد الأنظمة العسكرية وارتفاع الكلفة، مقابل اعتماد واسع على الصناعات الدفاعية الأميركية، حيث تذهب أكثر من 60% من المشتريات العسكرية الأوروبية إلى الولايات المتحدة.
كلفة الاستقلال الدفاعي.. تحدٍ مالي ضخم
تُعد الكلفة أحد أبرز العوائق أمام تحقيق الاستقلال الدفاعي الأوروبي. فمشروع SCAF وحده قد تصل تكلفته الإجمالية إلى 300–400 مليار يورو على مدى عقود، في وقت تعاني فيه اقتصادات كبرى مثل فرنسا وألمانيا من ضغوط ديون متزايدة.
كما أن الإنفاق الدفاعي الأوروبي، رغم بلوغه نحو 343 مليار يورو في 2024، لا يزال بعيداً عن المستوى الأميركي الذي يتجاوز 800 مليار يورو سنوياً، ما يعكس فجوة كبيرة في القدرات التمويلية والتكنولوجية.
بين الطموح والواقع: مفترق طرق أوروبي
يقف المشروع الدفاعي الأوروبي أمام اختبار حاسم: إما ترجمة الطموحات السياسية إلى منظومة عسكرية موحدة، أو الاستمرار في نموذج مجزأ تحكمه المصالح الوطنية والتنافس الصناعي.
ويرى محللون أن سباق التسلّح في أوروبا بات واقعاً قائماً، لكن قواعده لا تزال غير مستقرة، في ظل غياب رؤية موحدة، ما قد يحد من قدرة القارة على تحقيق استقلالها الاستراتيجي في المدى المنظور.
