- i24NEWS
- تحليلات وأراء
- تركيا بين ثلاث جبهات: حرب إيران تضع أنقرة أمام أخطر اختبار أمني منذ سنوات
تركيا بين ثلاث جبهات: حرب إيران تضع أنقرة أمام أخطر اختبار أمني منذ سنوات
مخاوف من انهيار إقليمي وعودة التوتر الكردي تضغط على صناع القرار في تركيا

في الوقت الذي تحاول فيه تركيا التمسك بسياسة الحياد تجاه الحرب الدائرة مع إيران، تتزايد التقديرات بأن البقاء خارج المواجهة لا يعني البقاء بعيدًا عن تداعياتها. فأنقرة، التي تسعى لتجنب الانخراط المباشر، تجد نفسها أمام مشهد إقليمي متغير قد ينعكس مباشرة على أمنها القومي وتوازناتها الداخلية.
ويرى مراقبون أن الحرب كشفت حدود سياسة "النأي بالنفس" التركية، إذ إن موقع البلاد الجغرافي وتشابك مصالحها مع إيران وسوريا والعراق يجعل من الصعب تحييد نفسها بالكامل عن نتائج الصراع. كما يرى محللون أن أنقرة تواجه اليوم ثلاثة هواجس رئيسية: احتمال انهيار الدولة الإيرانية، تصاعد النفوذ الإسرائيلي في الإقليم، واحتمال عودة الملف الكردي إلى الواجهة.
حياد معلن.. وهشاشة استراتيجية
رغم الطموح التركي المتزايد للعب دور إقليمي أوسع، خاصة بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، إلا أن هذا الطموح لا يزال مقيدًا بعوامل اقتصادية وعسكرية.
وتشير تقديرات غربية إلى أن أنقرة لم تنجح بعد في بناء استقلال دفاعي كامل، إذ لا يزال أمن مجالها الجوي يعتمد بدرجة كبيرة على منظومات حلف الناتو. كما أن أزمة شراء منظومة "إس-400" الروسية وما تبعها من عقوبات أمريكية أضعفت هامش المناورة التركية في ملفات التسليح والدفاع الجوي.
ويرى محللون أن هذا الواقع يجعل تركيا أكثر حذرًا في التعامل مع أي تصعيد إقليمي قد يشمل استخدام الصواريخ أو توسيع ساحات الحرب.
كابوس انهيار إيران
ورغم الخلافات المستمرة بين أنقرة وطهران في ملفات عدة، لا تبدو تركيا راغبة في رؤية انهيار الدولة الإيرانية أو تفككها.
فمن وجهة نظر أمنية، قد يؤدي أي انهيار داخلي في إيران إلى موجات لجوء جديدة نحو الحدود التركية، إضافة إلى خلق فراغ أمني واسع شرق البلاد. كما تخشى أنقرة من أن يؤدي ضعف المركز الإيراني إلى تنشيط النزعات القومية الكردية في المناطق الحدودية.
ويرى مراقبون أن تركيا كانت تفضّل تسوية تفاوضية تقلّص نفوذ إيران الإقليمي وتمنع امتلاكها أوراق ضغط نووية، بدلاً من سيناريو الفوضى المفتوحة.
الجبهة الكردية تعود إلى الواجهة
الحرب الحالية تثير أيضًا مخاوف تركية من اهتزاز مسار التهدئة الداخلي مع حزب العمال الكردستاني، والذي شهد انفراجًا نسبيًا خلال عام 2025.
وتخشى أنقرة من أن يؤدي أي دعم خارجي للأكراد الإيرانيين أو السوريين إلى إحياء مشاريع حكم ذاتي على حدودها الجنوبية والشرقية. ويرى محللون أن هذا السيناريو قد ينعكس مباشرة على الداخل التركي، ويقوض الجهود السياسية الرامية إلى تهدئة الملف الكردي.
إسرائيل.. هاجس التطويق الإقليمي
على جبهة أخرى، تراقب تركيا بقلق اتساع الحضور العسكري الإسرائيلي في سوريا ولبنان، إلى جانب تنامي التعاون بين تل أبيب واليونان وقبرص في شرق المتوسط.
وترى أوساط تركية أن هذه التحركات قد تؤسس لنظام إقليمي جديد يحد من نفوذ أنقرة البحري والسياسي. كما يرى مراقبون أن التوتر الشخصي والسياسي بين الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يزيد صعوبة أي تفاهمات مباشرة بين الطرفين.
ما بعد الحياد
في ضوء هذه التحديات، تبدو تركيا أمام خيار إعادة صياغة استراتيجيتها الإقليمية. فبدلاً من الاكتفاء بالحياد، قد تتجه أنقرة إلى تعزيز شراكاتها مع دول الخليج، وتوسيع التنسيق الأمني مع العراق وسوريا، وتحديث علاقتها مع الناتو وأوروبا.
ويرى محللون أن المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت تركيا قادرة على تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة التموضع، أم أنها ستبقى متلقية لنتائج ترتيبات إقليمية يصوغها الآخرون.
أمن تركيا على المحك
الحرب مع إيران لا تُخاض على حدود تركيا، لكنها تقترب من مصالحها الحيوية. وبين خطر الفوضى شرقًا، وتصاعد النفوذ الإسرائيلي جنوبًا، وتعقيدات الملف الكردي داخليًا، تجد أنقرة نفسها أمام اختبار استراتيجي قد يكون الأهم منذ سنوات.
