- i24NEWS
- تحليلات وأراء
- هل انتهى عصر “الذهب الأسود”؟.. إلى أي حد يؤثر إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي
هل انتهى عصر “الذهب الأسود”؟.. إلى أي حد يؤثر إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي
المقاطعة العربية عام 1973 علّمت العالم كيف يتحرر من الاعتماد على نفط الشرق الأوسط، وساعدت بمنع أزمة أكبر اليوم نتيجة الحرب مع إيران• وكيف يمكن لانسحاب الإمارات من أوبك أن يخفف من حدة الأزمة؟


في بداية العملية الإسرائيلية في ايران، تبيّن أن المرشد الاعلى لإيران الذي اغتيل في العملية، علي خامنئي، ترك لقادة النظام في البلاد خطة فوضى منظمة، هدفها خلق أزمة طاقة عالمية - من خلال إغلاق مضيق هرمز والهجوم على البنى التحتية النفطية لدول الخليج العربي، التي تعتمد اقتصاداتها بشكل كبير على هذا المورد الاستراتيجي.
وبالفعل، مع إغلاق مضيق هرمز ارتفعت أسعار النفط بنحو 40%، وحدث الأمر نفسه في جميع المجالات الأخرى التي تعتمد عليه، بدءًا من سوق الطاقة وحتى الصناعات التحويلية وقطاعات السياحة واللوجستيات. كما أنّ انسحاب دولة الإمارات من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك - OPEC) الذي دخل حيز التنفيذ يُظهر أنه رغم أنّ اقتصاد الإمارات متنوع أكثر بكثير مما كان عليه في السابق، لا يزال النفط يشكل مصدر دخل حيوي لخزينة الدولة.
كان خامنئي يعرف ماذا يفعل عندما كتب خطة الفوضى الخاصة به - فهذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها دولة في الشرق الأوسط صناعة النفط كورقة مساومة: في أكتوبر 1973، في ذروة حرب يوم الغفران، حولت ست دول عربية - العراق، السعودية، الإمارات، الكويت، قطر وليبيا - النفط إلى سلاح سياسي.
فرضن حظرًا على دول الغرب التي دعمت إسرائيل، قلّصن الصادرات وضاعفن سعر النفط أربع مرات - من ثلاثة دولارات للبرميل إلى 12 دولارًا (زيادة بنسبة 300٪) - وزعزعن الاقتصاد العالمي. من هنا تبرز السؤال: كيف حدث أن أزمة النفط في عام 2026 أدت إلى ارتفاع أكثر اعتدالًا بكثير في أسعار النفط مقارنة بالحظر العربي عام 1973؟ دعونا نتحقق.
1973: العالم يعتمد على النفط من الشرق الأوسط
إذا عدنا خمسين عامًا إلى الوراء، سنكتشف أن الاقتصاد العالمي كان مختلفًا تمامًا عما هو عليه اليوم، وكذلك سوق الطاقة. في عام 1973 كان العالم يعتمد بشكل أكبر بكثير على النفط القادم من الشرق الأوسط – حيث كان ثلث استهلاك النفط العالمي يأتي من هناك. ست الدول العربية الأعضاء في أوبك استغلت اعتماد الغرب عليها، وتنسقت فيما بينها لرفع الأسعار وتقليص الصادرات بنسبة 5% إلى الدول الداعمة لإسرائيل.
نتيجة المقاطعة العربية - نقص حاد في النفط أدى إلى طوابير طويلة في محطات الوقود في الولايات المتحدة، وانخفاض كبير في الصناعات التي تعتمد على مصادر الطاقة الرخيصة في أوروبا - مما أدى إلى إغلاق المصانع وشلل الصناعات بأكملها، ودخل العالم بأسره في حالة الركود التضخمي - وهو مزيج قاتل من الركود العميق والتضخم المرتفع، والذي وصل إلى معدلات تتراوح بين 5٪ و10٪ في الدول الغربية.
أزمة الطاقة الحادة أجبرت دول الغرب على تغيير مفهومها فيما يتعلق بالاعتماد على النفط، وسرّعت التغيير الهيكلي في الاقتصاد العالمي - معظم دول العالم انتقلت من قيادة السيارات الكبيرة إلى سيارات صغيرة تستهلك وقوداً أقل، وبدأت العديد من الصناعات الاستثمار في مصادر طاقة أخرى غير ناضبة وأكثر صداقة للبيئة، مما جعل سوق الطاقة أقل تركيزاً وأكثر حرية.
لكن هذا بالضرورة ليس هو العامل الوحيد الذي ساعد العالم على الخروج من أزمة الطاقة - في عام 1974 توصلت دول الغرب إلى تفاهمات مع الدول العربية بعد جولة من الضغوط الدبلوماسية، والتي أدت إلى تغيير السياسة بين الجانبين وأخيراً إلى رفع الحظر.
بالإضافة إلى ذلك، في ثمانينيات القرن الماضي تم اكتشاف حقول نفط هائلة في بحر الشمال وألاسكا، مما قلل بشكل كبير من الاعتماد على النفط العربي، بل وحوّل دولاً غربية مثل النرويج وكندا إلى قوى عظمى في مجال الطاقة بفضل نفسها.
2026: الأزمة موجودة - لكنها ليست بنفس الحجم
السياسة الإيرانية في مضيق هرمز أدت بالفعل إلى أزمة طاقة وارتفاع الأسعار، لكن الوضع الحالي ليس بنفس الحجم كما كان في عام 1973. حوالي نصف احتياطيات النفط المؤكدة في العالم موجودة في دول الخليج الفارسي، وهي مجتمعة مسؤولة عن حوالي 30% من الإنتاج النفطي اليومي العالمي. من هنا، من الواضح جداً لماذا إغلاق مضيق هرمز - المدخل والمخرج الوحيد للخليج الفارسي - هو خطوة حاسمة يمكن أن تغيّر موازين العالم.
مع ذلك، فإن إمكانية الإضرار بالاقتصاد العالمي من خلال إغلاق المضيق ليست كبيرة كما كانت في الماضي. صحيح أن صناعة النفط أكبر اليوم مما كانت عليه قبل خمسين عامًا، لكن الاقتصاد العالمي أيضًا نما كثيرًا منذ ذلك الحين، وهو أكثر تنوعًا بكثير. التغيير في النظرة البيئية يدفع العديد من الدول الغربية للاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، مثل الرياح والمياه والشمس. بالإضافة إلى ذلك، تم اكتشاف العديد من حقول النفط والغاز الطبيعي في أماكن أخرى من العالم، لذلك لم يعد الخليج الفارسي هو المنطقة الوحيدة في العالم التي يمكن بفضلها إنتاج الطاقة.
الخطوة التي اتخذتها الإمارات العربية المتحدة والتي قد تنقذ الاقتصاد العالمي
عامل آخر يجب أخذه في الاعتبار هو منظمة أوبك - اتحاد الدول المصدرة للنفط. تأسست المنظمة في عام 1960 كجسم معارض لشركات النفط الغربية، بهدف السيطرة على الإنتاج، التسعير وتصدير النفط في كل واحدة من الدول الأعضاء - للتحكم في عرض النفط العالمي. جميع الدول الأعضاء في أوبك تخضع لمعايير وحصص تلتزم بها كل دولة، مما يقيّد كمية النفط والأرباح التي تحصل عليها كل دولة من هذا المورد المطلوب. كما ذُكر، فإن الإمارات العربية المتحدة، رابع أكبر منتجة للنفط في المنظمة، انسحبت منها اليوم، وذلك من أجل أن يكون لديها الإمكانية والقدرة على تصدير كميات أكبر من النفط مما هو مسموح به داخل المنظمة، ولمواجهة الضغوط المتزايدة بسبب الحرب مع إيران.
رغم أن إغلاق مضيق هرمز لا يسمح بعد للإمارات العربية المتحدة بتصدير الكمية النفطية التي تطمح إليها بشكل فعلي، إلا أن عدة مطلعين يشيرون إلى أن خطوة انسحاب الدولة الخليجية من المنظمة قد يكون لها تأثير على دول أخرى أعضاء فيها. ووفقًا للمحللين الاقتصاديين في الـBBC، فإن مغادرة الإمارات لأوبك قد تشعل تأثير الدومينو بانسحاب دول أخرى منها. وبهذا، لن تكون الدول المصدرة للنفط مقيدة بالقيود التي تفرضها العضوية في المنظمة، والمنافسة ستجبرها على زيادة الإنتاج من جهة، والتكيف مع الأسعار من جهة أخرى.
فمن من بين الأزمات ينتصر؟
في كل من عام 1973 وعام 2026 استُخدم النفط كسلاح جيوسياسي، لكن لا شك أن المقاطعة العربية والأزمة العالمية التي تسببت بها عام 1973 كانت أخطر بكثير من الأزمة التي نتجت الآن عن إغلاق مضيق هرمز. السلاح هو في الواقع نفس السلاح، لكن الاقتصاد ليس هو نفس الاقتصاد.
العالم تعلم الدرس من قبل 50 عاماً، واليوم يمكن رؤية أن تطبيقه أدى إلى ضرر أكثر اعتدالاً بكثير في الاقتصاد العالمي. والجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي كانت تعتقد أنها تستطيع أخذ الاقتصاد العالمي كرهينة - تدرك الآن أنها بحاجة للاستثمار في أماكن أخرى من أجل البقاء في الحرب.