انقلاب في النظام العالمي.. تحالفات عسكرية قديمة تتهاوى وأخرى جديدة تعيد رسم خريطة القوى
على مدى 3 عقود بدا النظام العالمي أمراً مفروغاً منه: واشنطن بالمركز وحولها شبكة محكمة من التحالفات،إلا أن النظام الآن يغيّر ملامحه •اليوم، الولاء هو أمر مؤقت والمصالح الإقليمية تتفوق على الأيديولوجيا

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، بدا أن للعالم مركز ثقل واضح وغير قابل للتشكيك. كانت الولايات المتحدة تقف في قلب شبكة معقدة وقوية من التحالفات العسكرية، والمؤسسات الدولية، والقواعد الاقتصادية التي بدت وكأنها قادرة على التوسع بلا حدود. توسع حلف الناتو شرقاً، وعمق الاتحاد الأوروبي جذوره، وامتدت شراكات واشنطن الأمنية كشبكة عنكبوتية تحمي من أوروبا، مروراً بالشرق الأوسط وصولاً إلى سواحل شرق آسيا.
لكن في الآونة الأخيرة، بدأ النظام العالمي الذي تأسس قبل حوالي ثلاثة عقود يغير مساره، واليوم يصل إلى منطقة جديدة من عدم الاستقرار. الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، النزاع الدموي والمستمر بين روسيا وأوكرانيا، الانقسام المتزايد بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، وتصاعد المواجهة بين الصين وجيرانها - كل هذه ليست أحداثاً معزولة. إنها أعراض لمرض أعمق: تآكل الأسس السياسية للعالم ما بعد الحرب الباردة.
نحن لسنا بالضرورة نشهد انهياراً مفاجئاً في ليلة واحدة، بل عملية تدريجية ومعقدة يتفكك فيها النظام القديم، لكن وريثاً واضحاً لم يظهر بعد. بدلاً من النظام القديم، يتشكل عالم من تنافسات متداخلة، شراكات مؤقتة وقوى إقليمية تختار لأول مرة منذ زمن طويل السير في مسار مستقل تماماً.
تصدعات في المظلة الأمريكية
النظام القديم استند إلى فرضية واحدة: القوة الأمريكية هي مهيمنة وموثوقة. كان بإمكان الحلفاء أن يجادلوا مع واشنطن في الغرف المغلقة، لكن في الخارج كانوا يعلمون أن أمريكا هي التي ستوفر الحماية العسكرية، القيادة الدبلوماسية والاستقرار الاقتصادي.
الحرب بين الولايات المتحدة وإيران حطمت هذا الوهم. حكومات أوروبا وجدت نفسها تتعامل مع تبعات حملة عسكرية لم تكن هي من خطط لها، بينما تتساءل هل واشنطن أصلاً تعتبرها شريكة للتشاور أم فقط "متعهدة فرعية" لإدارة الأضرار. الشرخ عبر الأطلسي، الذي كان موجوداً منذ سنوات، أصبح هوة عميقة. السؤال المركزي اليوم في بروكسل وبرلين ليس فقط هل تؤيدان السياسة الأمريكية، بل هل الصفقة القديمة - حماية مقابل طاعة - ما زالت سارية المفعول.
من غير المتوقع أن يختفي حلف الناتو؛ فالتهديد الروسي يجعله ضرورة وجودية لأوروبا. ومع ذلك، فإنه يتحول إلى كيان آخر: جسم يعمل عسكريًا لكنه ضعيف سياسيًا، أقل توحدًا وأكثر تشككًا في موثوقية واشنطن. الرد الأوروبي المتوقع هو تطوير عمود دفاعي ذاتي - استثمارات ضخمة في الطائرات المسيرة، الصواريخ والدفاع الجوي المستقل. هذا تغيير دقيق لكنه دراماتيكي: تحويل الحلف من هرمية تقودها أمريكا إلى شراكة غير متساوية بين كتلتين لهما مصالح منفصلة أحيانًا.
بالنسبة لإسرائيل، هذا الاتجاه يمثل جرس إنذار وفرصة في آن واحد. בעוד أن القدس تظل حليفًا قريبًا يعتمد على السلاح والاستخبارات الأمريكية، تجد نفسها مضطرة لاستيعاب أنه كلما أصبح الدور الأمريكي مشروطًا ومحل جدل سياسي داخلي בארצות المتحدة، تزداد الحاجة لتعزيز العلاقات الإقليمية والدولية لتعويض الاعتماد التقليدي. إلى جانب ذلك، العزلة السياسية التي تعيشها إسرائيل منذ 7 أكتوبر تضعها أمام تحدٍ إضافي - ضرورة الانفتاح نحو تحالفات جديدة لتعويض فقدان الدعم الغربي والجمود في العمليات السياسية مع دول الشرق الأوسط.
عودة سياسة القوة الصناعية
إذا اعتقد أحدٌ أنه في عصر الآيفون والذكاء الاصطناعي تُحسم الحروب فقط في مجال السايبر، فإن الحرب في أوكرانيا أعادتنا إلى أرض الواقع. لقد دمّرت الوهم بأن الاعتماد الاقتصادي المتبادل سيمنع الحروب الكبيرة. وبدلاً من ذلك، شهدنا تعبئة جماهيرية، احتلالاً إقليمياً وحرباً صناعية تتطلب خطوط إنتاج للقذائف وليس فقط خوارزميات. أُجبرت أوكرانيا رغماً عنها على مواجهة واقع من هجمات قاتلة يومية، مما أدى إلى تسريع تطوير منظومات جوية واستخباراتية جديدة لم تكن موجودة في الدولة من قبل، وحققت إنجازات ملحوظة في مواجهة ثالث أكبر جيش في العالم.
هذا الصراع كشف أيضًا حدود القوة الغربية. روسيا، على الرغم من العقوبات الشديدة، لم تنهَر. بل أعادت حساب مسارها وعمّقت علاقاتها مع الصين، إيران، كوريا الشمالية ودول الجنوب العالمي. لا يدور الحديث عن تكتل سوفييتي جديد وموحد أيديولوجيًا، بل عن شبكة فضفاضة من الدول التي توحّدها غاية واحدة: مقاومة الهيمنة الأمريكية والرغبة في خلق بدائل للمنظومات المالية والتكنولوجية الغربية.
بالنسبة لدول مثل إسرائيل ودول الخليج، كان الدرس من الحرب في أوكرانيا واضحاً: لا يمكن الاعتماد على الوعود الورقية. يجب الاستثمار في إنتاج الدفاع الذاتي، الصواريخ، والقدرات الاستخباراتية المستقلة.
المحور الجديد: السعودية-تركيا-باكستان
ربما الدليل الأبرز على النظام العالمي الجديد هو اتفاقية الدفاع الأخيرة بين السعودية وتركيا وباكستان. هذه ليست مجرد اتفاقية عسكرية - إنها إعلان استقلال. القوى الإقليمية ترفض الانحياز لأي طرف.
الاتفاق يدمج بين الثراء المالي والطاقة لدى السعوديين، والصناعة العسكرية المتطورة في تركيا، والعمق الاستراتيجي والنووي لباكستان. هذه الدول لا تتخلى عن الولايات المتحدة - فالسعودية ما زالت بحاجة للسلاح الأمريكي وتركيا ما زالت في الناتو، لكنها تبني لنفسها بوليصة تأمين في حال قررت واشنطن الانسحاب أو تغيير أولوياتها.
يمثل هذا تحديًا استراتيجيًا معقدًا لإسرائيل. فمن جهة، تتشارك السعودية مع إسرائيل مصلحة واضحة في احتواء إيران. ومن جهة أخرى، تسعى الرياض إلى بناء خيارات بديلة تتجاوز الإطار الأمريكي الإسرائيلي. وتُعد تركيا، التي لا تزال من أشد منتقدي إسرائيل، ركيزة أساسية في هذا المحور. ويتطلب هذا الوضع من إسرائيل الانخراط في دبلوماسية أكثر مرونة من أي وقت مضى: تعاون أمني سري مع دول الخليج مع تجنب أن تُصبح عبئًا على تحالفاتها الجديدة.
الاختبار الكبير في الشرق
بينما يشتعل الشرق الأوسط وأوروبا، يُجرى الاختبار الحقيقي للنظام القديم في شرق آسيا. الصين، من خلال تكتيكات أقل من عتبة الحرب (الهجمات السيبرانية، الضغط الاقتصادي والدوريات البحرية)، تختبر يوميًا مدى حزم الولايات المتحدة، ومسألة غزو تايوان لم تعد مسألة "هل سيحدث" بل "متى سيحدث".
النتيجة هناك ليست ناتو آسيوي، بل شبكة من شراكات متداخلة. اليابان تتسلح، الفلبين تقترب من واشنطن، والهند تلعب لعبة مزدوجة وذكية. شرق آسيا هي مختبر العالم الجديد: اعتماد اقتصادي وثيق على الصين، إلى جانب استعداد عسكري ضدها، مع رفض تام للانحياز الدبلوماسي الكامل إلى أحد الجانبين.
النظام الذي أعقب الحرب الباردة لن يُستبدل بكتل واضحة كما كان في الحرب الباردة الأصلية. نحن ندخل عصراً من تعددية التحالفات المسلحة. نظام متعدد الأقطاب ومجزأ، حيث تنتقل الدول بين الشراكات حسب الحاجة في كل لحظة.
في عالم اليوم، أصبح السؤال "في أي طرف أنت؟" غير ذي صلة. السؤال الجديد هو: "على من يمكنك الاعتماد في هذه الأزمة المحددة، ولأي مدة؟". بالنسبة لإسرائيل، كما لبقية العالم، هذه هي واقع خطير ولكنه أيضاً يتيح مجالاً جديداً للمناورة. في نظام تصبح فيه التحالفات مرنة، فإن القوة الوطنية والقدرة على خلق قيمة للشركاء المتغيرين هما مفتاحا البقاء. النظام العالمي لم يختفِ - لقد أصبح ببساطة أقل قابلية للتوقع بكثير.
