تأثير الدومينو.. كيف تؤثر سيطرة الحوثيين في باب المندب على العالم بأسره؟
سيطرة الحوثيين في اليمن على مضيق باب المندب كان حدثًا هزّ العالم •الواقع يثبت أنه عندما يتمكن لاعب متشدد من السيطرة على مضيق استراتيجي بهذا القدر، يصبح الثمن باهظًا جدًا بالنسبة للمجتمع الدولي كله


سيطرة الحوثيين في اليمن على مضيق باب المندب هو حدث متدحرج هز النظام الأمني والاقتصادي للعالم بأسره. المضيق هو شريان حياة بعرض حوالي 30 كيلومتر فقط، يربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي. عبر عنق الزجاجة هذا يمر بشكل روتيني حوالي 12% من التجارة البحرية العالمية وحوالي 10% من حركة النفط والغاز الطبيعي المنقولين بحراً. الآن، عندما أصبح الحوثيون قادرين على إغلاق هذا المسار الحيوي، فإنهم يتحولون إلى تهديد استراتيجي حقيقي للعالم.
التواجد والتهديدات العسكرية للحوثيين يجبران شركات الشحن الدولية على التخلي عن الطريق المختصر عبر قناة السويس واختيار مسار بديل ومرهق يلتف حول قارة أفريقيا، عبر رأس الرجاء الصالح. المعنى الاقتصادي لهذا التغيير دراماتيكي – المسار البديل يضيف ما بين 6,500 إلى 7,000 كيلومتر لكل رحلة بين آسيا وأوروبا، ويطيل مدة الرحلة من 10 إلى 14 يومًا. النتيجة هي قفزة هائلة في تكاليف الوقود وتزويد الطواقم، إلى جانب ارتفاع هائل بمئات النسب المئوية في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن التي لا تزال تختار عبور المضيق.
ارتفاع تكلفة الشحن البحري ينتقل مباشرة إلى سلاسل الإمداد العالمية، مما يخلق تأثير الدومينو في ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، وزيادة أسعار الطاقة والمواد الخام، ويزيد بشكل كبير من الضغوط التضخمية في جميع أنحاء العالم.
بالنسبة للسعودية، الأزمة الحالية تضع أمامها معضلة استراتيجية معقدة بشكل خاص. إغلاق باب المندب يهدد صادرات النفط السعودي من موانئ البحر الأحمر ويمس بشدة بأحلام تطوير مناطق التجارة والسياحة على طول الساحل الغربي للمملكة. الخيارات المتاحة أمام السعودية تتراوح ضمن نطاق واسع - من محاولة الوصول إلى تفاهمات هادئة ودفع فدية للحوثيين إلى الانضمام العلني أو السري إلى تحالف بحري تقوده الولايات المتحدة والغرب، والذي يهدف إلى فرض ضغط عسكري وحصار بحري على معاقل التنظيم الإرهابي.
حتى في إسرائيل يشعرون جيدًا بالتأثير. بالنسبة لإسرائيل، هذه الخطوة تحول البحر الأحمر من ساحة ثانوية إلى جبهة إستراتيجية نشطة وخطيرة. قد يشكل ذلك ضررًا كبيرًا لميناء إيلات الذي يعاني من شلل في حركة السفن القادمة من الشرق الأقصى. بالإضافة إلى الضرر الاقتصادي، يُطلب من جهاز الأمن الإسرائيلي تخصيص اهتمام كبير، بما في ذلك تشغيل سلاح البحرية وتوجيه موارد استخبارية لحماية المنطقة الجنوبية. كل ذلك يتم مع الاستعداد الدائم لتهديدات صواريخ كروز، والطائرات بدون طيار، وزوارق التفجير الموجهة نحو الأصول الإسرائيلية ومسارات الإمداد الحيوية.
من منظور إقليمي ودولي، سيطرة الحوثيين تعزز محور ايران وتمنح طهران رافعة ضغط حاسمة على الاقتصاد العالمي دون أن تضطر إلى إغلاق مضيق هرمز بنفسها. الوضع الجديد يضع على المحك التحالفات الاستراتيجية في الشرق الأوسط. فهو يزيد من الحاجة إلى تنسيق أمني واستخباراتي خفي بين إسرائيل ودول الخليج ومصر، لكنه في الوقت نفسه يضعف استعداد الدول العربية للحديث عن هذه العلاقات خوفًا من تصعيد مباشر مع اليمن وإيران.
تجد القوى العظمى نفسها في ساحات عمل متعارضة - ففي حين أن الولايات المتحدة وبريطانيا تمسكان بزمام المبادرة وتقودان عمليات استطلاع، ودفاع، وهجمات مركزة ضد الحوثيين، فإن الصين، التي تعتمد بشكل كبير على التجارة المارة عبر قناة السويس، تفضل استخدام نفوذ دبلوماسي هادئ تجاه إيران وتمتنع تمامًا عن أي تدخل عسكري علني. أما من تدفع أحد أثقل الأثمان في لعبة القوى هذه فهي مصر، التي تتلقى ضربة قاسية في إيراداتها من قناة السويس - وهو مصدر حيوي للعملة الأجنبية - الأمر الذي يعمق أكثر فأكثر أزمتها الاقتصادية الخانقة أصلًا.
السؤال المصيري الآن هو هل الغرب والقوى العظمى قادرون على ضمان حرية الملاحة الدولية في عصر القتال غير المتكافئ، أم أن إيران ستنجح في فرض وقائع على الأرض تغيّر خارطة التحالفات في الشرق الأوسط. الواقع الذي نشأ في مضيق باب المندب يثبت أنه في العالم الجيوسياسي الجديد، السلسلة الاقتصادية العالمية قوية فقط بقدر قوة أضعف حلقة فيها، وعندما يحصل لاعب متطرف على السيطرة على مضيق استراتيجي بهذا القدر، يصبح الثمن باهظًا جدًا بالنسبة للمجتمع الدولي بأسره.