"الصامت والقاتل": السلاح الإسرائيلي الجديد الذي يُضلّل المسيّرات ويعطل مهامها
لماذا نرسل صاروخًا إذا يمكن إرسال أمر ملاحة خاطئ؟ الصناعات الجوية كشفت عن الحل الثوري لأسراب الطائرات المُسيَّرة • التشويش، التضليل والسيطرة الإلكترونية عن بُعد • جولة بين طبقات الدفاع الإسرائيلية

في عالم أصبحت فيه الطائرات المسيرة الانتحارية وأسراب الدرونات تهديدًا استراتيجيًا رخيصًا، متاحًا وقاتلًا، لم تعد العقيدة الدفاعية القديمة كافية. السباق وراء "إصابة مباشرة مهما كان الثمن" أصبح معقدًا ومكلفًا للغاية. هنا تدخل حرب الملاحة (Navigation Warfare) إلى الصورة. كشفت الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI) مؤخرًا عن نظام "هيبنوسيس"، الذي يقدم نهجًا جديدًا في الساحة: بدلًا من إسقاط الطائرة المسيرة من السماء، يقوم النظام بـ"تنويمها مغناطيسيًا"، ويعطل أنظمة الملاحة الخاصة بها، ويجعلها تضل طريقها قبل أن تقترب من الهدف.
العقل المدبر من وراء الخداع
الأساس التكنولوجي لنظام الهيبنوزيس يعتمد على نقطة الضعف الأكبر للأدوات غير المأهولة: الاعتماد الكامل على الأقمار الصناعية. لكي يصل الدرون إلى الهدف بدقة تصل إلى عدة أمتار فقط، يحتاج إلى بيانات موقع وزمن (GNSS) متواصلة. بمجرد أن تتعرض هذه البيانات للتشويش أو التزييف المتعمد، تصبح الأداة "عمياء".
النظام يستخدم قدرات تشويش وخداع متقدمة. هو لا يكتفي "بحجب" الإشارة فقط، بل يستطيع أيضاً "حقن" بيانات ملاحة مزيفة تجعل الطائرة بدون طيار تعتقد أنها في مكان مختلف تماماً، مما يؤدي إلى انحرافها عن المسار أو تحطمها في منطقة مفتوحة. النظام يجمع بين عدة وحدات طرفية موصولة بالشبكة وتخضع لمركز مراقبة واحد، مما يتيح له حماية أصول استراتيجية واسعة النطاق - من بنى تحتية للطاقة وموانئ وحتى مواقع أمنية حساسة.
الغلاف الإسرائيلي: ليس سلاحًا سحريًا، بل شبكة من الحلول
هيبنوسيس تشكل طبقة حاسمة ضمن غلاف حماية متعدد الطبقات الذي تُعتبر فيه إسرائيل رائدة عالمية. من أجل الانتصار في المعركة الجوية الحديثة، لم يعد الجيش الإسرائيلي ومنظومة الأمن يعتمدون على "سلاح سحري" واحد، بل على دمج تقنيات متعددة:
1. الطبقة الحركية: أنظمة مثل "القبة الحديدية"، المخصصة لاعتراض الأدوات المعقدة والأكبر حجمًا بشكل مادي.
2. طبقة الطاقة: أنظمة ليزر مثل "ماغين أور" (Iron Beam)، المخصصة لتدمير التهديدات الخفيفة والرخيصة بتكلفة منخفضة لكل طلقة.
3. طبقة الحرب الإلكترونية (EW): هنا توجد الهيبنوزيس. هذه هي الطبقة التي تمنع التهديد أساسًا من الوصول إلى مدى الاعتراض، وبهذا فهي توفر استخدام المعترضات الغالية وتحافظ عليها لأهداف أثقل.
القاسم المشترك بين كل هؤلاء هو الفهم أن التهديد لم يعد يأتي فقط بصاروخ باليستي ضخم أو بطائرة مقاتلة مأهولة. أحيانًا التهديد هو سرب من عشرات الأدوات الصغيرة والهادئة التي تتطلب حلاً مرنًا، دقيقًا وخصوصًا اقتصاديًا.
السباق العالمي: الدفاع متعدد الطبقات
هذا التحدي ليس فريدًا لإسرائيل. في جميع أنحاء العالم، تواجه الجيوش ومشغلو البنى التحتية الحيوية الواقع الجديد الذي أصبح فيه الدرون "سلاح الجميع". من مطارات تُغلق بسبب طائرة بدون طيار واحدة وحتى قواعد عسكرية مهددة من قبل أسراب، الحاجة إلى حلول C-UAS (أنظمة مواجهة الطائرات غير المأهولة) في أعلى مستوياتها على الإطلاق.
دول الناتو وكذلك في آسيا تبني اليوم أنظمة دفاع مماثلة، تدمج بين الكشف بواسطة رادارات وحساسات بصرية، تشويش إلكتروني واعتراض فعلي. نظام "الهيبنوزيس" الإسرائيلي ينضم إلى عائلة هذه الوسائل، حاملاً معه خبرة عملياتية نشأت من الواقع الأمني المعقد في الشرق الأوسط.
لماذا هذا مهم الآن؟
تكمن أهمية الهيبنوسيس في التغيير الإدراكي الذي يتحدث عن الفعالية. في عالم الاقتصاد العسكري، لا يمكن للطائرة بدون طيار التي تكلف عدة آلاف من الدولارات أن يتم التصدي لها دائمًا بواسطة صاروخ اعتراضي يكلف عشرات الآلاف. القدرة على تقليل الاعتماد على الاعتراض التقليدي ووقف التهديد بطريقة هادئة ودقيقة هي ضرورة استراتيجية.
في نهاية المطاف، الهيبنوسيس تمثل المستقبل: أقل "ضربة مباشرة بأي ثمن"، وأكثر إدارة ذكية للمجال الجوي. لأنه في عصر الحروب الرقمية، أحيانًا يكون أعظم انتصار ليس الانفجار المذهل في السماء، بل صمت العدو الذي فقد طريقه ببساطة.
رئيس مجلس إدارة الصناعات الجوية الإسرائيلية IAI، بوعز ليفي: "الصناعات الجوية الإسرائيلية تُعدّ رائدة عالمية في تطوير حلول للدفاع الجوي ضد تهديدات جوية متطورة، وريادتها تستند إلى عشرات السنين من الخبرة العملياتية، والابتكار المتواصل، والالتزام غير المحدود بأمن عملائنا وحلفائنا. انطلاقًا من الفهم أن ساحة المعركة الحديثة تتطلب قدرات دفاعية متكاملة ومتعددة الطبقات، قادرة على مواجهة مجموعة متنوعة من التهديدات في آن واحد، تواصل IAI ريادة هذا المجال من خلال تكنولوجيا متقدمة، تمنح أفضلية عملياتية كبيرة وتساهم في حماية الأمن القومي وحياة المدنيين."
نائب مدير عام الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI) ومدير قسم الأنظمة، الصواريخ والفضاء، غاي بار-ليف: "هيبنوسيس تنتج طبقة حماية ناعمة، ضرورية وفعّالة، التي تُمكن الدول من مواجهة التهديدات الجوية المتزايدة ضدها. الحديث يدور عن نظام يشكل قفزة نوعية في قدرة الحماية على الأصول الاستراتيجية، حيث أن دمج النظام مع الحماية الصلبة يعزز مفهوم الحماية متعددة الطبقات من خلال إضافة طبقة حماية أخرى، فعّالة واقتصادية".
تعمل هيبنوسيس من خلال بنية موحدة للسيطرة والتحكم، تتيح دمج قدرات اعتراض ناعمة وصلبة، وتوفير استجابة منسقة وفعالة في بيئات تهديد ديناميكية ومتطورة. النظام قادر على التعامل مع هجمات منسقة تشمل عددًا كبيرًا من التهديدات التي تصل في وقت واحد من اتجاهات مختلفة، كما يتيح تشغيلًا ذاتيًا كاملًا عبر مركز تحكم شبكي دون الحاجة لتدخل المشغّل.
النظام يستند إلى الخبرة التشغيلية الواسعة والمثبتة لشركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI) في مجال حرب الملاحة (NAVWAR)، ويجمع بين تقنيات متقدمة للتشويش والخداع على أنظمة الملاحة الفضائية، بما في ذلك أنظمة الملاحة الفضائية المتقدمة.
