هرمز ليس شيئًا: نقاط الضعف التي قد تشعل الأزمة القادمة
حوالي 90% من التجارة العالمية تمر عبر عدد من النقاط التي تشكل عنق زجاجة • إغلاق إحدى هذه النقاط قد يتسبب في ضرر هائل للاقتصاد العالمي، والسيطرة عليها هي أصل استراتيجي مستعدة الدول للقتال من أجله.

الحرب في إيران وإغلاق مضيق هرمز (وموجة الغلاء التي تبعته) ذكّرتنا جميعًا بمدى اعتماد العالم على طرق الملاحة الدولية، التي تشكل الشرايين الأهم للتجارة العالمية - حيث يمر 90% منها عبر البحر. إغلاق أحد هذه الطرق، سواء بسبب حدث مناخي، عطل فني أو توتر جيوسياسي، يمكن أن يزعزع الأسواق خلال ساعات. في العصر العالمي، هذه الطرق ليست مجرد خطوط شحن بحري - إنها نبض الاقتصاد الحديث.
معظم طرق الشحن البحرية الأكثر أهمية تمر عبر المياه الإقليمية لدول تعتبر هذه المناطق أصولاً استراتيجية، وعن حق - فقد استغلت بعض هذه الدول في السابق مكانتها لاحتجاز الاقتصاد العالمي كرهينة. في بعض الحالات نشأت أزمات محلية تم حلها بسرعة ودون مواجهات كبيرة، لكن في حالات أخرى - أدى ذلك إلى نشوب حرب. بعد أن عانينا بأنفسنا من إغلاق مضيق هرمز وتأثيره على سوق الطاقة العالمي، حان الوقت لفحص طرق الشحن الأخرى حول العالم التي لها أهمية حاسمة - وماذا سيحدث إذا أُغلقت لا قدر الله، سواء بسبب خطأ عرضي أو بفعلٍ متعمد.
مضيق ملقا (إندونيسيا، ماليزيا وسنغافورة)
ممر الملاحة الذي يربط بين المحيط الهادئ والمحيط الهندي يقع في جنوب شرق آسيا، بين شبه الجزيرة الماليزية وجزيرة سومطرة الإندونيسية. يُعتبر هذا أحد أهم ممرات الملاحة في العالم، إذ يربط بين ثلاث من أكثر الدول اكتظاظاً بالسكان - الهند، الصين، وإندونيسيا، وحوله تقع تسعة من أصل أكثر عشرة موانئ ازدحاماً في العالم.
بسبب ذلك، يُعد مضيق ملقا مسار الشحن البحري الثاني الأكثر ازدحامًا في العالم، مع حوالي 90 ألف سفينة تمر به سنويًا في المتوسط، وهو ما يشكل حوالي 30% من إجمالي التجارة البحرية العالمية، بالإضافة إلى أن كل إمدادات الطاقة إلى الصين واليابان التي تأتي من الخليج الفارسي وأفريقيا تمر عبره.
حاليًا لا توجد خطورة حقيقية من إغلاق مضيق ملقا، إذ أن الدول الثلاث التي يمر عبر أراضيها تتمتع بعلاقات جيدة فيما بينها. مع ذلك، كان المضيق عبر التاريخ عرضة لأعمال سطو وقرصنة متكررة. في بداية القرن الحادي والعشرين، ومع تزايد حوادث القرصنة، قامت إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتايلاند بتعزيز إجراءات الإنفاذ على طول المضيق، وانخفضت معدلات القرصنة فيه بشكل كبير.
إذا تعطلت الحركة في الممر لأي سبب من الأسباب، كان ذلك سيجبر أكثر من نصف حركة التجارة العالمية على استخدام طرق بحرية أطول، الأمر الذي كان سيرفع تكاليف النقل ويطيل أوقات تسليم البضائع المارة فيه.
قناة بنما
يعتبر مسار الملاحة الأهم في النصف الغربي من الكرة الأرضية، حيث يربط بين المحيط الأطلسي والبحر الكاريبي والمحيط الهادئ، ويُعتبر نقطة تفصل بين أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية. تم افتتاح قناة بنما للملاحة في عام 1914، وافتتاحها قلص بشكل كبير مسافات الملاحة الدولية وقدم حلاً لمسارات الملاحة الصعبة. على سبيل المثال، الرحلة البحرية من سان فرانسيسكو إلى نيويورك عبر القناة تستغرق حوالي 11 يوماً، مقارنة بالتفاف يستغرق 27 يوماً حول مضيق ماجلان في أقصى جنوب قارة أمريكا.
الولايات المتحدة هي المستخدم الرئيسي للقناة، مع حوالي 75% من إجمالي الحركة فيها، و40% من إجمالي الحركة البحرية للولايات المتحدة. بالنسبة لبنما، تشكل القناة أحد مصادر الدخل الهامة لها - حوالي 4% من إجمالي الناتج الوطني للدولة.
كانت القناة في قلب عدة أزمات جيوسياسية في القرن العشرين، خاصة بين بنما والولايات المتحدة، حول السيطرة عليها، والتي انتقلت بشكل حصري إلى بنما فقط في عام 1977، أي بعد حوالي 63 عامًا من افتتاحها. وتدعي بنما ملكيتها للقناة لأنها تمر في أراضيها، ونقل السيطرة عليها سيضر بوحدة الأراضي الوطنية للدولة.
الولايات المتحدة تدعي الملكية ليس فقط بسبب الأهمية لحركة الملاحة البحرية للدولة، بل أيضًا لأن الولايات المتحدة هي التي أكملت حفر القناة. مؤخرًا، وصف رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب نقل السيطرة على القناة إلى بنما بـ"الخطأ الفادح".
مضيق البوسفور والدردنيل (تركيا)
يرتبط البحر الأسود بالبحر الأبيض المتوسط عبر تركيا من خلال عنقين ضيقين: مضيق البوسفور الذي يفصل بين جزئي إسطنبول، والدردنيل الذي يفصل بين البحر المتوسط وبحر مرمرة. هذا ممر ملاحي حيوي لروسيا، إذ إن موانئها على البحر الأسود هي الوحيدة التي لا تتجمد في الشتاء، ولذا فهي الرابط الوحيد للملاحة الروسية مع بقية العالم طوال أيام السنة.
خلال السنة تمر عبر هذه المضايق حوالي 42 ألف سفينة في المتوسط، ما يجعلها واحدة من أكثر طرق الملاحة ازدحاماً في العالم. عبر هذه المضايق تمر معظم إمدادات الطاقة من دول مصدرة للنفط والغاز الطبيعي مهمة مثل روسيا، أذربيجان وكازاخستان، وكذلك القمح والحبوب من أوكرانيا وجنوب روسيا التي تعتبر حيوية للأمن الغذائي العالمي.
السيطرة على المضيقين تشكل ورقة تفاوضية هامة بيد تركيا. بسبب سيطرتها على هذا الممر البحري، تعتبر تركيا عضواً مهماً في حلف الناتو، إذ بإمكانها منع الخصم الرئيسي للحلف الأطلسي – روسيا، وهذا ما حدث بالفعل خلال حرب روسيا-أوكرانيا في عام 2022، حيث منعت تركيا مرور السفن الحربية الروسية إلى البحر الأسود، لكنها لا تزال تسمح بعبور السفن المدنية عبر المضيقين.
قناة السويس (مصر) ومضيق باب المندب (اليمن وجيبوتي)
البحر الأحمر هو أحد أقصر الطرق وأهمها في النقل البحري العالمي، ويمر عبره حوالي 10% من إجمالي التجارة العالمية، وهو يقلل بشكل كبير من المسافة بين آسيا وأوروبا. قبل افتتاح قناة السويس، كانت السفن المتجهة من أوروبا إلى آسيا والعكس تضطر للإبحار حول كامل قارة أفريقيا. افتتاح القناة في عام 1869 قلل المسافة بين أوروبا وآسيا بحوالي 7000 كيلومتر، ووفر أسابيع من وقت السفر، مما أدى إلى تقليل تكاليف نقل البضائع بين القارتين. في يوم واحد تمر عبر القناة حوالي 50 سفينة في المتوسط، وأكثر من 20 ألف سفينة في المتوسط سنويًا.
على الجانب الآخر من البحر الأحمر، يشكل مضيق باب المندب أيضًا عنق زجاجة حيوي في حركة الملاحة البحرية بين آسيا وأوروبا. يمر من خلال هذين الممرين الملاحيين أيضًا معظم إمدادات النفط القادمة من الخليج الفارسي، والتي تشكل نحو ربع إجمالي إمدادات النفط العالمية. إغلاق أحد هذين الممرين قد يؤدي إلى أضرار جسيمة للاقتصاد العالمي، كما حدث في عام 2021 عندما أُغلقت قناة السويس لمدة ستة أيام بسبب سفينة جنحت هناك. أدى ذلك إلى تأخير شحنات بضائع بقيمة تقديرية بلغت 400 مليون دولار في الساعة، وساهم في التضخم العالمي الذي تأثر بشدة من جائحة كورونا التي كانت في ذروتها حينذاك.
السيطرة على طرق الملاحة الحيوية في البحر الأحمر هي نقطة انطلاق لعدد من الأزمات الجيوسياسية في الماضي والحاضر، والتي تدور أيضًا حول إسرائيل. قناة السويس أُغلِقت خمس مرات منذ افتتاحها، من بينها مرتان بسبب توترات بين دول. في عام 1956، قامت مصر تحت حكم ناصر بتأميم القناة وأغلقتها بعد أن ردت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بعمل عسكري ضدها. الإغلاق الثاني كان في حرب الأيام الستة، بعدما احتلت إسرائيل الضفة الشرقية لقناة السويس، وبقيت القناة مغلقة لمدة ثماني سنوات.
على الجانب الآخر من البحر الأحمر، مضيق باب المندب عانى أيضًا من أزمات أمنية، خاصة بسبب هجمات الحوثيين منذ بداية حرب "سيوف الحديد". تهديد الحوثيين للسفن التي تسعى للدخول إلى البحر الأحمر من الجنوب رفع من تكاليف التأمين عليها، وقررت العديد من شركات الشحن تعليق المرور عبر المضيق. في الآونة الأخيرة، عاد التهديد بإغلاق المضيق للواجهة مع بدء الحملة في إيران، بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز، فيما وصف بـ"سيناريو الكابوس".
القناة الإنجليزية (بريطانيا وفرنسا)
أكثر ممر ملاحي ازدحامًا في العالم هو ذلك الذي يربط بحر الشمال بالمحيط الأطلسي، حيث تمر من خلاله حوالي 500 سفينة يوميًا - أي ما يعادل نحو 20% من إجمالي التجارة العالمية. القناة الإنجليزية، المعروفة أيضًا بقناة المانش، تفصل بين بريطانيا وفرنسا، ويقع حولها أهم وأكبر الموانئ ازدحامًا في أوروبا - روتردام، هامبورغ، أنتويرب، لندن ولوهافر.
القناة تشكل المسار الملاحي الرئيسي بين دول شمال أوروبا الصناعية وبقية العالم. بالإضافة إلى الحركة بين القارات، تربط القناة أيضًا بين بريطانيا وأوروبا القارية، ويعبر من خلالها آلاف المسافرين يوميًا سواء عن طريق العبارات أو عبر نفق القناة بواسطة القطارات والمركبات.
على الرغم من أن القناة كانت ساحة معركة في عدة حروب شاركت فيها بريطانيا وفرنسا، إلا أنها لم تُغلق بشكل كامل أبداً. مع ذلك، تعاني القناة أحياناً من أحوال جوية قاسية تشمل رياحاً قوية، ضباباً وأمطاراً غزيرة، مما يضطر السفن إلى تقليل سرعتها، وأحياناً حتى تأجيل رحلتها والرسو في الموانئ الممتدة على طول القناة.
بالإضافة إلى ذلك، القناة تعاني من كثافة عالية من السفن العابرة يوميًا، مما يزيد من خطر الاصطدام بين السفن، وقد يؤدي إلى توقف الحركة في القناة وتأخير كبير في حركة البضائع المنقولة عبرها.
مضيق جبل طارق (إسبانيا، المغرب وبريطانيا)
المدخل الطبيعي الوحيد إلى البحر الأبيض المتوسط هو النقطة التي تربطه بالمحيط الأطلسي. مضيق جبل طارق هو البوابة للتجارة البحرية بين دول جنوب وشرق أوروبا، شمال أفريقيا والشرق الأوسط، حيث يمر من خلاله حوالي 10% من إجمالي التجارة البحرية العالمية وما يقارب 30% من إجمالي إمدادات النفط العالمية.
مع مضيق باب المندب وقناة السويس، يشكل مضيق جبل طارق إحدى نقاط المرور الحرجة في مسار الملاحة الأسرع بين آسيا وأوروبا، والأهم بين الشرق الأوسط وقارة أمريكا. المياه العميقة في المضيق تجعله واحدة من أكثر النقاط أمانًا لعبور السفن الكبيرة، بما في ذلك ناقلات النفط. لم يكن من قبيل الصدفة أن بريطانيا اختارت الاحتفاظ بإقليم في جبل طارق.
