الهيئة الأمريكية التي يمكنها عزل العالم بضغطة زر
عندما يتحدثون عن القوة الأمريكية، فإن الفكرة الأولى التي تخطر هي المقاتلات المتقدمة والقواعد العسكرية المنتشرة حول العالم • لكن في العقد الأخير، طورت واشنطن سلاحًا لا يقل فتكًا: العقوبات الاقتصادية


عندما يفكر العالم في القوة الأمريكية، فإن الفكرة الفورية التي تتبادر إلى الذهن هي حاملات الطائرات، الطائرات المقاتلة المتقدمة والقواعد العسكرية المنتشرة حول العالم. لكن في العقد الأخير، تقوم واشنطن بتطوير سلاح قاتل لا يقل خطورة، لا يطلق حتى رصاصة واحدة: العقوبات الاقتصادية. في مركز هذه الآلية يقف جهاز متواضع في وزارة الخزانة الأمريكية - مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، المعروف باختصاره OFAC. من خلال أوامر رئاسية، قوائم سوداء وعقوبات ثانوية، يستطيع هذا المكتب فصل دول وبنوك وشركات عملاقة عن نظام الدولار العالمي بضغطة زر. من أين ينبع هذا النفوذ غير المسبوق، كيف أصبحت إيران هدفه المركزي، ولماذا يجب على القدس وبكين وموسكو أن تتابع عن كثب؟
هناك عاملان رئيسيان يمنحان لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) قوته شبه اللامحدودة. الأول هو هيمنة الدولار الأمريكي كعملة احتياطية وعملة التجارة العالمية. تقريبًا كل صفقة دولية كبيرة، سواء كانت في مجال النفط أو الشحن أو التكنولوجيا، تمر في مرحلة ما عبر بنك تسوية أمريكي. بمجرد أن يدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية كيانًا معينًا في قائمة "المواطنين المحددين والأشخاص المحظورين"، يتم تجميد جميع أصوله في الولايات المتحدة، ولا يُسمح لأي مواطن أو شركة أمريكية بالتعامل معه. أما العامل الثاني، والأكثر فتكًا، فهو آلية العقوبات الثانوية. تضع واشنطن أمام العالم إنذارًا بسيطًا: إما أن تتعاملوا مع الولايات المتحدة، أو تتعاملوا مع إيران – لكن ليس مع كليهما. وتفضل البنوك والشركات متعددة الجنسيات في أوروبا وآسيا عمومًا الوصول إلى السوق الأمريكية ونظام الدولار، وبذلك تضطر للامتثال لإملاءات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC).
أهداف OFAC تجاه إيران تتركز في مسارين رئيسيين: تصدير النفط والوصول إلى النظام المصرفي الدولي. العقوبات الصارمة التي أعيد فرضها على قطاع الطاقة الإيراني ألحقت أضراراً جسيمة بإيرادات طهران من العملات الأجنبية، وأدت إلى انخفاض حاد في قيمة الريال الإيراني، وأطلقت معدلات التضخم في البلاد إلى مستويات تاريخية. في الوقت نفسه، يحرص OFAC على تحديد وتعطيل شركات واجهة وشبكات صرف مشبوهة تُستخدم من قبل الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس. الهدف ليس فقط الضغط على الاقتصاد المدني، بل أيضاً تجفيف مصادر تمويل محور المقاومة – بما في ذلك حزب الله، والحوثيين في اليمن، والميليشيات الشيعية في العراق وسوريا.
في الكرملين وبكين يرون في OFAC دلالة واضحة على استغلال الهيمنة الأمريكية بشكل مفرط، ويعملون بنشاط على إنشاء أنظمة موازية بديلة. روسيا، التي تعرضت بدورها لموجة غير مسبوقة من العقوبات عقب الحرب في أوكرانيا، عززت علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع إيران، مستخدمة آليات التبادل التجاري وأنظمة تسوية مالية مستقلة لا تعتمد على الدولار. أما بكين، فهي تلعب لعبة مزدوجة؛ فمن جهة، تواصل شركات الطاقة والتكرير الصينية الخاصة شراء النفط الإيراني بخصومات هائلة، باستعمال أسطول خفي من ناقلات النفط التي تعمل تحت الرادار. ومن جهة أخرى، يتوخى البنوك الكبرى في الصين الحذر الشديد من التورط مع OFAC، خوفاً من فقدان وصولها إلى النظام المالي العالمي.
بالنسبة لإسرائيل، فإن OFAC هو مضاعف قوة استراتيجي من الدرجة الأولى. الجمع بين المخابرات الإسرائيلية - التي تكتشف شبكات التهريب، والشركات الوهمية، والحسابات السرية لطهران وحزب الله - وبين القوة التنفيذية القانونية والاقتصادية لوزارة الخزانة الأمريكية، يخلق تآزرًا فعالًا في مكافحة النشاط المتطرف. الصفقات التي تم إحباطها، والحسابات المصرفية التي تم تجميدها في زيورخ أو دبي، وناقلات النفط التي صودرت في المضائق الدولية، هي نتيجة لتعاون هادئ لكنه وثيق بين أجهزة الاستخبارات والتنفيذ في إسرائيل والولايات المتحدة.
أوروبا تتسلح، القوى العظمى تعيد حساب المسار، والعالم يدخل عصراً تُعيد فيه القوة الاقتصادية والعسكرية تشكيل ساحة المعركة.