من نبلاء القبائل الآرية إلى حكم الملالي: الرحلة التاريخية للأمة الإيرانية
قبل وقت طويل من الثورة الإسلامية، كانت إيران إمبراطورية ضخمة ذات جذور هندو-أوروبية. كيف تحولت "فارس" القديمة للدولة التي نعرفها اليوم،ولماذا طلب الشاه تغيير اسمها،وما العلاقة بالهنود وألمانيا النازية؟


كلمة "إيران" ترتبط تقريبًا بشكل تلقائي بنظام الملالي، بالبرنامج النووي، وبأكبر عدوة لإسرائيل في العالم. لكن خلف هذه الدولة تختبئ إحدى أقدم وأغنى وأكثر الثقافات تعقيدًا في العالم.
على عكس الخطأ الشائع في الغرب، الإيرانيون ليسوا عرباً؛ إنهم شعب وأمه تاريخه يزيد على ثلاثة آلاف عام، وجذورهم غريبة تماماً عن الشرق الأوسط السامي، وهويتهم القومية نجت من غزوات واحتلالات لا حصر لها. لفهم الدولة التي تهز العالم اليوم، يجب أن نعود بالزمن إلى الوراء كثيراً – إلى أيام الإمبراطوريات العظيمة، إلى أصل اسم "فارس"، وإلى القبائل القديمة التي بدأ منها كل شيء.
أصل الإيرانيين يعود إلى آلاف السنين في الماضي، إلى مجموعة قبائل هندوأوروبية أطلقت على نفسها اسم "آريين" (ومعناه: "النبلاء" أو "الضيوف الكرماء"). كانت هذه القبائل تقيم أصلاً في شمال شرق إيران الحالية، في منطقة روسيا وآسيا الوسطى.
في مرحلة معينة هاجروا جنوباً؛ بعضهم استقر في الهند، وبعضهم تمسك بالمنطقة التي أطلق عليها اسم "آريانم" ("أرض الآريين"). لهذا السبب فإن العديد من الشعوب الهندو-أوروبية – الهنود، الإيرانيون، الإنجليز، الفرنسيون والروس – لهم في الواقع أصل لغوي وثقافي مشترك. مع مرور السنين تطورت اللغة، واسم "آريانم" تحول إلى الاسم المعروف لنا اليوم: إيران.
من هم الفُرس؟
اسم "إيران" موثق تاريخيًا قبل اسم "فارس" (برس) بوقت طويل. في العصور القديمة أسست القبائل الآرية عدة ممالك، وكانت واحدة من أبرزها هي فارس. من المرجح أن أصل الكلمة مرتبط بكلمة "فأس" في اللغة الهندو-أوروبية البدائية. اليونانيون هم الذين أطلقوا اسم "فرس" عندما أشاروا إلى الإمبراطورية بأكملها، وهكذا ترسخ الاسم في العالم الغربي، بينما حرص الإيرانيون دائمًا على تسمية بلادهم "إيران".
الاسم الرسمي "فارس" بقي شائعًا في العالم الغربي حتى عام 1935. في ذلك العام، توجه الحاكم، رضا شاه بهلوي، إلى المجتمع الدولي وطلب الانتقال رسميًا لاستخدام اسم "إيران"، وذلك للتأكيد على الهوية الآرية والأصلية لشعبه ولفتح البلاد أمام الغرب.
بالمناسبة، وبشكل موازٍ ومأساوي، تبنى النازيون في ألمانيا مفهوم "الهوية الآرية" إثر أبحاث لغوية كشفت عن أوجه تشابه بين لغة السنسكريتية (وهي لغة هندوأوروبية قديمة) واللغات الألمانية، ومن ذلك طوروا نظرية عرقية كاملة.
إمبراطوريات، فتوحات وتحولات الحكم
كانت إيران القديمة واحدة من أعظم وأقوى الإمبراطوريات في العالم، وحكمتها سلالات فخمة مثل السلالة الأخمينية، وكان على رأسها ملوك تاريخيون مثل كورش وداريوس. على مر التاريخ، شهدت العديد من الغزوات من قبل اليونانيين والمغول والأتراك والعرب والبريطانيين والروس.
في عام 330 قبل الميلاد احتلها الإسكندر المقدوني، لكنه تبنى العديد من العادات الفارسية، حتى أن الإيرانيين اعتبروه أحيانًا جزءًا من تراثهم. وعلى الرغم من الاضطرابات والغزوات، تمكن الشعب الإيراني من الحفاظ على ثقافته الغنية والمثيرة عبر آلاف السنين.
التحول الإسلامي الأول
في عام 651 للميلاد استغل العرب المسلمون ضعف الإمبراطورية الساسانية في إيران، التي كانت منهكة من سنوات من الحروب في الشرق والغرب، واحتلوها. في تلك الفترة فرض الحكام الساسانيون على الشعب الديانة الزرادشتية من مدرستهم، والتي لم تكن محبوبة من قبل جميع السكان. ونتيجة لذلك، قبل العديد من الإيرانيين الإسلام كبديل مفضل.
الغزو العربي غيّر وجه إيران إلى الأبد؛ عملية الأسلمة أثرت بعمق على الدين، الثقافة واللغة المحلية (التي تبنت الأبجدية العربية)، وحتى نهاية العصور الوسطى أصبح غالبية الشعب مسلمين. الإيرانيون الذين رفضوا اعتناق الإسلام وهربوا من الاحتلال، وصلوا حتى أفغانستان، الهند والصين، ونشروا هناك ثقافتهم. اليوم، حوالي 90% من سكان إيران (الذين يبلغ عددهم حوالي 90 مليون نسمة) هم مسلمون شيعة، والبقية من السنة، بالإضافة إلى أقليات من المسيحيين، اليهود، الزرادشتيين والبهائيين.
العصر الحديث: من سلالة بهلوي إلى الثورة
في بداية القرن العشرين، شهدت إيران فوضى سياسية، وكانت مقسمة فعليًا لمناطق نفوذ بين الإمبراطورية البريطانية والروسية. في عام 1925، وبعد انقلاب عسكري حظي بدعم بريطاني، استولى رضا بهلوي على الحكم وأعلن نفسه "شاهًا". قاد عمليات تسريع العلمنة والتحديث. مع صعود ألمانيا النازية، رأى فيها رضا شاه قوة موازنة تساعده في التخلص من النفوذ البريطاني. هذا التقارب أدى في عام 1941 إلى الغزو البريطاني-السوفيتي، الإطاحة بالشاه وتولي ابنه محمد رضا بهلوي العرش من بعده.
في عام 1953، بعد انقلاب خُطط له من قبل وكالات الاستخبارات الأمريكية والبريطانية، عزز الشاه حكمه وبدأ يقرب إيران بخطوات واسعة إلى الغرب. ومع ذلك، فإن الفساد الحكومي، قمع المعارضة من قبل الشرطة السرية، وتزايد انفصال الشاه عن الشعب والتقاليد الدينية، أثارت معارضة شديدة. كل هذه العوامل انفجرت في عام 1979 وأدت إلى الثورة الإسلامية التي أسست نظام الحكم الديني الذي نعرفه اليوم.
المستقبل: علامة استفهام
بعد آلاف السنين من التحولات، الإمبراطوريات، الفتوحات والتقلبات السياسية، تبقى السؤال المفتوح: هل الشعب الإيراني، الذي أثبت قدرته على الحفاظ على هويته الفريدة والوطنية طوال هذه الفترة الطويلة، يقف الآن مرة أخرى أمام ثورة ستغير وجه التاريخ؟