بوتين في بكين بعد ترامب: الطاقة تعيد رسم التحالف الروسي-الصيني وسط اضطراب الشرق الأوسط
قمة في العاصمة الصينية تكشف تعمق الشراكة بين موسكو وبكين وتؤكد أن أمن الطاقة بات المحرك الرئيسي للعلاقات الثنائية

وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين في زيارة تستمر يومين، حيث استقبله الرئيس الصيني شي جين في قاعة الشعب الكبرى، بعد أسبوع واحد فقط من مغادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب العاصمة الصينية عقب زيارة رسمية استمرت ثلاثة أيام.
التوقيت السياسي للزيارة، إلى جانب التصعيد في الشرق الأوسط وأزمة الطاقة المرتبطة بمضيق هرمز، منح القمة الروسية الصينية بعدًا يتجاوز العلاقات الثنائية، ليضعها في إطار إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية عالميًا.
رسائل سياسية مباشرة إلى واشنطن
اللقاء بين بوتين وشي حمل رسائل واضحة للولايات المتحدة، خصوصًا في ظل المحاولات الأميركية لفصل موسكو عن بكين. فاختيار بوتين زيارة الصين مباشرة بعد ترامب، وتأكيد شي علنًا على وصف نظيره الروسي بـ"الصديق القديم"، عكس تمسك الطرفين بالشراكة الاستراتيجية رغم الضغوط الغربية.
وخلال المحادثات، شدد بوتين على أن العلاقات الروسية الصينية وصلت إلى "مستوى غير مسبوق"، معتبرًا أن معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون تشكل الأساس لتوسيع التعاون في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
أما شي، فقدم قراءة أكثر حدة للمشهد الدولي، متحدثًا عن عالم يتجه نحو "الهيمنة والانقسام" واحتمال العودة إلى "قانون الغاب"، في إشارة ضمنية إلى التنافس مع الغرب والنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.
الطاقة تتحول إلى مركز الثقل في العلاقة
الملف الأكثر حضورًا في القمة كان الطاقة، وتحديدًا مشروع خط الغاز "قوة سيبيريا 2"، الذي تسعى موسكو إلى تسريع تنفيذه باعتباره مشروعًا استراتيجيًا يعوض خسائرها المتفاقمة في السوق الأوروبية.
ويهدف المشروع إلى نقل الغاز الروسي من حقول يامال في القطب الشمالي إلى شمال شرق الصين عبر منغوليا، بطاقة تصل إلى 50 مليار متر مكعب سنويًا، ما يجعله أحد أكبر مشاريع الغاز في العالم.
وتزايدت أهمية المشروع مع تصاعد التوترات في الخليج وإغلاق مضيق هرمز، إذ بدأت الصين تنظر إلى الإمدادات البرية الروسية باعتبارها أقل عرضة للمخاطر الجيوسياسية مقارنة بشحنات الغاز والنفط البحرية القادمة من الشرق الأوسط.
في المقابل، ترى موسكو أن السوق الصينية تمثل "فرصة إنقاذ" حقيقية بعد تراجع صادراتها إلى أوروبا نتيجة العقوبات الغربية والحرب في أوكرانيا.
الصين المستفيد الأكبر من التحول الروسي
ورغم وصف العلاقة بأنها "شراكة بلا حدود"، فإن ميزان القوة يميل بوضوح لصالح بكين. فالصين أصبحت الشريك التجاري الأكبر لروسيا، بينما تمثل روسيا نسبة محدودة من التجارة الخارجية الصينية.
كما استفادت الشركات الصينية، وعلى رأسها Huawei، من انسحاب الشركات الغربية من السوق الروسية، لتتحول إلى لاعب رئيسي في قطاعات الاتصالات والتكنولوجيا داخل روسيا.
وفي الوقت نفسه، باتت موسكو تعتمد بصورة متزايدة على الصين للحصول على التكنولوجيا والمكونات الصناعية والتمويل والأسواق البديلة، ما عزز المخاوف داخل النخبة الروسية من تحول العلاقة إلى تبعية اقتصادية تدريجية لبكين.
الحرب في أوكرانيا تعمق التقارب
الغرب ينظر بقلق متزايد إلى هذا التقارب، خصوصًا بعد الحرب الروسية الأوكرانية. فالتقديرات الغربية تشير إلى أن الدعم الاقتصادي الصيني ساعد موسكو على الصمود أمام العقوبات، سواء عبر زيادة التبادل التجاري أو توفير التكنولوجيا والمنتجات الخاضعة للقيود الغربية.
كما ارتفعت مشتريات الصين من النفط والغاز الروسي إلى مستويات قياسية منذ عام 2022، ما وفر لموسكو عائدات ضخمة ساعدت في تمويل اقتصاد الحرب.
وفي المقابل، استفادت بكين من أسعار الطاقة الروسية المخفضة، ومن تعزيز أمنها الطاقوي في ظل الاضطرابات المتصاعدة في الشرق الأوسط.
شراكة مرنة وليست تحالفًا رسميًا
ورغم التقارب الكبير، لا تزال العلاقة بين الصين وروسيا قائمة على شراكة استراتيجية مرنة أكثر من كونها تحالفًا عسكريًا رسميًا. فكل طرف يدرك حدود العلاقة وحجم التفاوت الاقتصادي والسياسي بينهما.
لكن في ظل استمرار المواجهة مع الغرب، يبدو أن المصالح المشتركة ــ من الطاقة والتجارة إلى مواجهة النفوذ الأميركي ــ تدفع البلدين إلى مزيد من التنسيق، حتى وإن بقيت بينهما حسابات متباينة بشأن النفوذ والتوازنات المستقبلية.
وتشير التقديرات إلى أن القمة قد تنتهي بتوقيع عشرات الاتفاقيات الاقتصادية والطاقة، ما يعزز الاتجاه المتسارع لتحول آسيا، وبالتحديد بكين، إلى مركز رئيسي لإعادة توزيع النفوذ العالمي في مرحلة ما بعد الحرب الأوكرانية واضطرابات الشرق الأوسط.
