غرينلاند ترفض “الإغراء الأميركي”.. حملة مالية تشعل غضباً واسعاً في الجزيرة القطبية
غضب واسع في غرينلاند بعد حملة أميركية تعرض المال مقابل دعم الانضمام إلى الولايات المتحدة

أثارت محاولة أميركي متقاعد جمع تواقيع في غرينلاند لدعم انضمام الجزيرة إلى الولايات المتحدة موجة غضب سياسية وشعبية واسعة، أعادت ملف الأطماع الأميركية في الجزيرة القطبية إلى واجهة الجدل الدولي.
التحرك الذي قاده كليف ستانلي، البالغ من العمر 86 عاماً، لم يُنظر إليه في غرينلاند باعتباره مبادرة شخصية فقط، بل كجزء من مناخ سياسي أميركي متصاعد يدفع نحو توسيع النفوذ في الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي الحساس.
ووفق ما كشفته وسائل إعلام دنماركية ومحلية، جال ستانلي في شوارع العاصمة نوك حاملاً وثيقة تدعو السكان لتأييد تحول غرينلاند إلى إقليم أميركي، مقابل وعود بحصول كل مواطن على 200 ألف دولار من الحكومة الأميركية، الأمر الذي فجّر "عاصفة سياسية" داخل الجزيرة التابعة سيادياً للدنمارك.
رفض شعبي واسع واتهامات بمحاولة “شراء الولاءات”
المبادرة الأميركية قوبلت برفض شبه كامل من السكان، إذ أقرّ ستانلي بنفسه بأنه لم ينجح سوى في جمع ثلاثة تواقيع فقط، فيما اعتبر كثير من الغرينلانديين أن ما جرى يمثل "إهانة وطنية" ومحاولة مباشرة لشراء الولاءات بالمال.
ويرى مراقبون أن ردود الفعل الغاضبة تعكس حساسية متزايدة داخل غرينلاند تجاه أي تدخل أميركي مباشر في مستقبل الجزيرة، خاصة بعد سنوات من الجدل الذي أثارته تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول رغبته في السيطرة على غرينلاند.
وفي هذا السياق، وصف سياسيون ونشطاء محليون الخطوة بأنها امتداد لمحاولات أميركية قديمة للتأثير على مستقبل الجزيرة، بينما اعتبرت شخصيات عامة في نوك أن مجرد طرح فكرة “شراء الانتماء الوطني” يكشف حجم الفجوة بين النظرة الأميركية والهوية المحلية لسكان الجزيرة.
ترامب يعيد إحياء ملف غرينلاند
القضية أعادت إلى الأذهان أزمة عام 2019، عندما طرح ترامب لأول مرة فكرة شراء غرينلاند من الدنمارك، ما تسبب حينها بأزمة دبلوماسية حادة بين واشنطن وكوبنهاغن.
ورغم عدم إعلان الإدارة الأميركية الحالية أي خطة رسمية جديدة، يرى محللون أن تصاعد الخطاب الأميركي بشأن غرينلاند يعكس أهمية الجزيرة المتزايدة في الحسابات الجيوسياسية والعسكرية الأميركية، خصوصاً في ظل التنافس المتصاعد مع روسيا والصين في منطقة القطب الشمالي.
وتكتسب غرينلاند أهمية استراتيجية استثنائية بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية الضخمة، بما في ذلك المعادن النادرة ومصادر الطاقة والممرات البحرية الجديدة الناتجة عن ذوبان الجليد.
مخاوف من تحوّل الجزيرة إلى ساحة صراع دولي
السلطات في غرينلاند تنظر بقلق إلى تنامي الاهتمام الأميركي المتزايد بالجزيرة، خشية تحوّلها إلى ساحة مواجهة نفوذ بين القوى الكبرى.
وفي رسالة مباشرة لواشنطن، جدّد رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن التأكيد أن "غرينلاند ليست للبيع"، في موقف يعكس تمسك القيادة المحلية بحق السكان في تقرير مستقبل الجزيرة بعيداً عن الضغوط الخارجية.
ويرى مراقبون أن القلق لا يقتصر على الجانب السياسي فقط، بل يمتد أيضاً إلى مخاوف ثقافية وهوياتية، إذ تخشى قطاعات واسعة من السكان الأصليين من أن يؤدي تمدد النفوذ الأميركي إلى تهديد الهوية الخاصة بشعوب الإنويت التي تشكل غالبية سكان الجزيرة.
قاعدة ثولا والبعد العسكري الأميركي
الجدل الحالي يسلط الضوء مجدداً على البعد العسكري في الحسابات الأميركية تجاه غرينلاند، إذ تضم الجزيرة قاعدة "ثولا" الجوية، إحدى أهم القواعد الأميركية في القطب الشمالي، والتي تشكل جزءاً أساسياً من منظومات الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي للولايات المتحدة.
كما تتزامن الأزمة مع استعداد المبعوث الأميركي الخاص إلى غرينلاند، حاكم لويزيانا جيف لاندري، لزيارة الجزيرة قريباً، وسط توتر متزايد بين واشنطن وكوبنهاغن على خلفية التصريحات الأميركية المتكررة بشأن توسيع النفوذ الأميركي هناك.
صراع النفوذ يتجاوز المال
ويرى محللون أن ما جرى في شوارع نوك خلال الأيام الماضية يتجاوز مجرد مبادرة فردية، ليعكس حجم الصراع الجيوسياسي المتصاعد على القطب الشمالي، في وقت تتحول فيه غرينلاند تدريجياً إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية في التنافس الدولي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.
لكن الرسالة التي حاول سكان الجزيرة إيصالها، وفق مراقبين، بدت واضحة: مستقبل غرينلاند لن يُحسم عبر العروض المالية أو الضغوط السياسية، بل عبر إرادة سكانها وهويتهم الوطنية التي تبدو حتى الآن أكثر تمسكاً بالاستقلالية من أي وقت مضى.
