هل يقترب انسحاب أمريكا من أوروبا؟ قلق غير مسبوق داخل الناتو
مخاوف في أوروبا من تراجع الالتزام الأميركي داخل الناتو واحتمال إعادة تموضع عسكري واسع

تسود حالة من القلق في دول شمال أوروبا ومنطقة البلطيق، على خلفية مؤشرات متزايدة صدرت عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إمكانية تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، في خطوة يُنظر إليها على أنها قد تعيد تشكيل موازين الأمن داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وتخشى هذه الدول أن يشكل أي انسحاب جزئي أو واسع للقوات الأميركية من القارة الأوروبية، ولا سيما من ألمانيا، بداية تحول استراتيجي أعمق قد يضعف منظومة الردع الغربية في مواجهة روسيا.
عروض أوروبية لاستبقاء القوات الأميركية
في هذا السياق، قدّم الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا عرضًا مباشرًا لواشنطن لاستقبال مزيد من القوات الأميركية، محذرًا من تداعيات أمنية خطيرة في حال تقليص الوجود العسكري الأميركي في ألمانيا أو أوروبا عمومًا.
وتستضيف ليتوانيا بالفعل أكثر من ألف جندي أميركي، وتسعى لتعزيز هذا الوجود، في وقت تشدد فيه دول البلطيق—ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا—على أن الضمانة الأمنية الأساسية لها تتمثل في الحضور العسكري الأميركي المباشر، خاصة في ظل القرب الجغرافي من روسيا.
ألمانيا في قلب إعادة التموضع الأميركي
جاءت هذه التطورات بعد إعلان ترامب عن نيته تقليص عدد من القوات الأميركية المتمركزة في ألمانيا، في خطوة أثارت ارتباكًا داخل العواصم الأوروبية، رغم استمرار وجود عشرات آلاف الجنود الأميركيين على الأراضي الألمانية.
ويرى مراقبون أن أي تغيير في حجم الانتشار الأميركي داخل ألمانيا قد يُفهم كإشارة إلى تحول أوسع في التزام واشنطن الأمني تجاه أوروبا.
أوروبا بين الاعتماد على واشنطن والبحث عن بدائل
تخشى عواصم أوروبية من أن يعكس هذا التوجه الأميركي إعادة تقييم شاملة لدور الولايات المتحدة داخل الناتو، خاصة في ظل انتقادات ترامب المتكررة للدول الأوروبية بشأن إنفاقها الدفاعي، ومطالبته بزيادة مساهماتها العسكرية.
كما ساهمت مواقف سياسية متباينة بين واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية في تعميق هذه المخاوف، خصوصًا ما يتعلق بالتنسيق العسكري في أزمات الشرق الأوسط، ما زاد من التوتر داخل التحالف الأطلسي.
دول البلطيق: رفع الإنفاق وتثبيت التحالف مع واشنطن
في محاولة لاحتواء هذه المخاوف، رفعت ليتوانيا إنفاقها الدفاعي إلى مستويات قياسية تتجاوز 5% من الناتج المحلي، في خطوة تتجاوز حتى الأهداف التي حددها الناتو.
كما أبدت دول البلطيق استعدادها للمشاركة في تحالفات عسكرية تقودها الولايات المتحدة، في إطار مساعيها للحفاظ على موقعها ضمن الأولويات الأمنية الأميركية.
تحذيرات من تفكك وحدة الناتو
في المقابل، دعا مسؤولون في دول البلطيق إلى تجنب أي مواقف قد تؤدي إلى توتر مباشر مع واشنطن، محذرين من منح روسيا هامشًا أكبر للتحرك داخل ما وصفوه بـ"حرب ظل هجينة" تستهدف أوروبا.
كما برزت انتقادات لبعض المواقف الأوروبية الرافضة التعاون العسكري الكامل مع الولايات المتحدة في بعض الملفات، وسط تحذيرات من أن هذه التباينات قد تُضعف تماسك الحلف الأطلسي.
إسكندنافيا: أمن يعتمد على المظلة الأميركية
يمتد القلق إلى الدول الإسكندنافية، حيث تنظر فنلندا والسويد والدنمارك والنرويج إلى الوجود الأميركي باعتباره عنصرًا أساسيًا في منظومة الردع في شمال أوروبا.
وتولي فنلندا، التي انضمت حديثًا إلى الناتو، أهمية خاصة للمظلة العسكرية الأميركية نظرًا لحدودها الطويلة مع روسيا، فيما ترى السويد أن أي تراجع في الالتزام الأميركي قد يضعف فعليًا المادة الخامسة من ميثاق الحلف.
السويد والدنمارك والنرويج: بين الحذر والتكيف
في السويد، يثير التحول من الحياد إلى عضوية الناتو مخاوف من تغيّر قواعد الحماية الجماعية، بينما تعتمد الدنمارك والنرويج مقاربة أكثر براغماتية تقوم على تعزيز القدرات الدفاعية بالتوازي مع الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن.
وتدرك هذه الدول أن القدرات الأوروبية الحالية لا تزال غير كافية لردع روسيا دون الدعم الأميركي، خصوصًا في مجالات الاستخبارات والدفاع الجوي والردع النووي.
أوروبا أمام سؤال استراتيجي مفتوح
رغم تصاعد الدعوات داخل أوروبا لتعزيز "الاستقلالية الاستراتيجية"، ما تزال دول شمال وشرق القارة تنظر بحذر إلى هذه الطروحات، خشية أن تعكس تراجعًا فعليًا في الالتزام الأميركي تجاه أمن أوروبا.
ويعيد الجدل الحالي طرح سؤال جوهري داخل دوائر صنع القرار الأوروبية: هل يمكن للناتو الحفاظ على توازنه وردعه التقليدي في حال تراجع الدور الأميركي، أم أن منظومة الأمن الأوروبية بأكملها ستدخل مرحلة إعادة تعريف شاملة؟
