أوروبا تكسر الاحتكار الأمريكي.. تطوير أول صاروخ لاعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي
تحالف دفاعي جديد تقوده كبرى شركات الصناعات العسكرية الأوروبية يهدف إلى تقليص الاعتماد على المنظومات الأميركية

أعلنت مجموعة من أبرز شركات الصناعات الدفاعية الأوروبية عن إطلاق تحالف جديد لتطوير أول منظومة اعتراض أوروبية قادرة على تدمير الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي، في خطوة تعكس تسارع الجهود الأوروبية لبناء قدرات دفاعية مستقلة في مواجهة التهديدات الصاروخية المتزايدة، خاصة في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية.
ويضم التحالف شركات تاليس وإيرباص وإم بي دي إيه ألمانيا وسافران إلى جانب شركة الصناعات الجوية الناشئة ديستينوس، التي ستقود المشروع الجديد المعروف باسم "بليكسيم إكسو" (Blixem Exo).
منظومة لاعتراض الصواريخ في الفضاء
بحسب الشركات المشاركة، صُممت المنظومة الجديدة للعمل في الطبقة العليا من شبكة الدفاع الصاروخي، حيث تستهدف الصواريخ الباليستية خلال مرحلة الطيران الوسطى خارج الغلاف الجوي، وهي المرحلة التي تقضي فيها الصواريخ بعيدة ومتوسطة المدى الجزء الأكبر من رحلتها.
ويعتمد النظام على تقنية "الاصطدام المباشر" (Hit-to-Kill)، إذ يتم تدمير الصاروخ المهاجم عبر الاصطدام به مباشرة دون استخدام رأس حربي متفجر، وهي التقنية المستخدمة في عدد محدود من أنظمة الدفاع الصاروخي المتقدمة حول العالم.
وترى الشركات أن اعتراض الصاروخ خارج الغلاف الجوي يرفع من فرص تدميره قبل دخوله المرحلة النهائية من مساره، ويحد من المخاطر التي قد تنتج عن سقوط الحطام أو الرؤوس القتالية فوق المناطق المأهولة.
استجابة لدروس الحرب في أوكرانيا
يأتي المشروع في وقت تعيد فيه الدول الأوروبية تقييم منظوماتها الدفاعية بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا، والتي أبرزت الدور المتزايد للصواريخ الباليستية والفرط صوتية في ساحات القتال الحديثة.
كما يتزامن الإعلان مع إطلاق "التحالف الأوروبي المتكامل لمواجهة الصواريخ الباليستية" في باريس، وهو إطار يهدف إلى تطوير حلول دفاعية أوروبية أقل تكلفة وأكثر استقلالية مقارنة بالمنظومات الأميركية، وفي مقدمتها نظام باتريوت.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن التجربة الأوكرانية كشفت وجود فجوات في قدرات الدفاع الجوي الأوروبية، خاصة فيما يتعلق باعتراض الصواريخ التي تحلق خارج الغلاف الجوي.
قدرة معلنة على مواجهة الصواريخ الفرط صوتية
ويؤكد القائمون على المشروع أن منظومة "بليكسيم إكسو" صممت أيضًا لاعتراض الصاروخ الروسي الفرط صوتي "أوريشنيك"، الذي استخدمته موسكو خلال الأشهر الماضية ضد أهداف داخل أوكرانيا، ويعد من الأسلحة القادرة على حمل رؤوس نووية.
ومن المقرر أن تستفيد عملية تطوير النظام من الخبرة العملياتية التي اكتسبتها أوكرانيا في مواجهة الهجمات الجوية والصاروخية المكثفة، بما يشمل تحليل أنماط الهجمات الروسية وطرق التصدي لها.
جدول زمني للتطوير
ووفقًا لخطاب النوايا الموقع بين الشركات، سيتم خلال الأشهر الثلاثة المقبلة إبرام اتفاقية ملزمة لتأسيس التحالف، على أن تبدأ الأعمال الهندسية المشتركة في أغسطس المقبل.
ويستهدف البرنامج إجراء أول اختبار عملي لمركبة الاعتراض خارج الغلاف الجوي خلال عام 2027، بينما أكدت الشركات أن الاتفاق الحالي لا يتضمن في هذه المرحلة أي التزامات مالية أو عقود شراء من الحكومات الأوروبية.
نحو استقلالية أوروبية في مجال الدفاع الصاروخي
ويرى مراقبون أن المشروع يعكس تحولًا استراتيجيًا في أولويات الدفاع الأوروبي، مع تزايد القناعة داخل العواصم الأوروبية بضرورة امتلاك منظومات سيادية للدفاع الصاروخي تقلل من الاعتماد على المظلة العسكرية الأميركية.
ويقول الرئيس التنفيذي لشركة "ديستينوس" ميخائيل كوكوريتش إن أوروبا تمتلك منظومات قوية لاعتراض التهديدات على الارتفاعات المنخفضة، لكنها ما زالت تفتقر إلى طبقة دفاعية أوروبية مستقلة لاعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي، وهو الفراغ الذي يسعى مشروع "بليكسيم إكسو" إلى سده.
من جهته، اعتبر المدير العام لشركة MBDA ألمانيا توماس غوتشيلد أن المشروع يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز القدرات الدفاعية الجماعية للقارة، من خلال توحيد الخبرات الصناعية والهندسية الأوروبية لبناء منظومة دفاع صاروخي متقدمة قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية.
من منظور أمني، يعكس المشروع الأوروبي إدراكًا متزايدًا بأن التهديدات الباليستية والفرط صوتية أصبحت أحد أبرز التحديات أمام الأمن الأوروبي، وأن الاعتماد الكامل على الأنظمة الأميركية لم يعد خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد.
وفي حال نجاح البرنامج، فقد يشكل "بليكسيم إكسو" أول منظومة اعتراض أوروبية تعمل خارج الغلاف الجوي، ما يمنح أوروبا طبقة دفاع إضافية ضد الصواريخ بعيدة المدى، ويعيد رسم خريطة التعاون الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي، مع تعزيز القدرات الأوروبية المستقلة في مجال الدفاع الصاروخي.
