اشتباكات عنيفة تهز ألبانيا بسبب مشروع مرتبط بإيفانكا ترامب وكوشنر
احتجاجات بيئية تتحول إلى أزمة سياسية تطالب بإسقاط الحكومة.. والشرطة تستخدم الغاز وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين في تيرانا.

دخلت الاحتجاجات المتواصلة في ألبانيا مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما تحولت التظاهرات الرافضة لمشروع سياحي فاخر مرتبط بإيفانكا ترامب وزوجها جاريد كوشنر إلى مواجهات مباشرة مع قوات الأمن أمام البرلمان في العاصمة تيرانا.
واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل وخراطيم المياه لتفريق مئات المحتجين، بعدما قام متظاهرون برشق عناصر الأمن بالحجارة والزجاجات البلاستيكية والبيض، إضافة إلى تحطيم سيارة شرطة باستخدام حاجز معدني.
وأكدت السلطات الألبانية إصابة 12 عنصرًا من الشرطة واعتقال 18 متظاهرًا، في أعنف موجة مواجهات تشهدها البلاد منذ انطلاق الاحتجاجات قبل أكثر من شهر.
من قضية بيئية إلى معركة لإسقاط الحكومة
بدأت الاحتجاجات على خلفية الاعتراض على مشروع سياحي ضخم في منطقة بحيرة نارتا الساحلية على البحر الأدرياتيكي، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى أزمة سياسية واسعة تستهدف حكومة رئيس الوزراء إيدي راما.
وأطلق المحتجون على تحركهم اسم "ثورة الفلامينغو"، نسبة إلى طيور النحام المهاجرة التي تعيش في المنطقة، حيث يحمل المتظاهرون مجسمات كرتونية لهذه الطيور باعتبارها رمزًا للدفاع عن المحمية الطبيعية المهددة بالمشروع.
ومع تصاعد الغضب الشعبي، تجاوزت المطالب البعد البيئي لتتحول إلى دعوات مباشرة لإسقاط الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة، فيما ردد المحتجون هتافات تطالب بمحاكمة راما وسجنه.
ووصف وزير الداخلية الألباني بيسفورت لامالاري ما جرى بأنه "أعمال تخريب وعنف إجرامي"، مؤكدًا أن الاعتداء على قوات الشرطة يمثل "اعتداءً على الدولة وسيادة القانون".
مشروع سياحي ضخم بقيمة 4 مليارات يورو
وترى الحكومة الألبانية أن المشروع يمثل فرصة استراتيجية لتحويل البلاد إلى وجهة سياحية فاخرة، في إطار مساعيها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
ويتضمن المشروع إقامة منتجعات وفنادق فاخرة وشقق سكنية وفيلات ومرسى لليخوت في منطقة بحيرة نارتا، إضافة إلى مشروع آخر في جزيرة سازان غير المأهولة، التي كانت قاعدة عسكرية خلال الحقبة الشيوعية.
ومنحت السلطات الألبانية شركة استثمارية مرتبطة بجاريد كوشنر صفة "المستثمر الاستراتيجي"، فيما تُقدّر قيمة الاستثمارات المخطط لها بنحو أربعة مليارات يورو.
مخاوف من تدمير محمية طبيعية
يقع المشروع داخل منطقة تعد من أبرز المحميات الطبيعية في ألبانيا، وتشكّل محطة رئيسية للطيور المهاجرة على ساحل البحر الأدرياتيكي.
ويحذر ناشطون بيئيون من أن أعمال البناء تهدد أحد آخر السواحل الطبيعية غير المطورة في البلاد، مؤكدين أن المشروع قد يؤدي إلى تدمير دائم للنظام البيئي في المنطقة.
وتصاعد الغضب الشعبي بعد انتشار مقطع فيديو يُظهر أحد الناشطين وهو يُسحب بالقوة من قبل عنصر أمن خاص خلال احتجاجه في موقع المشروع.
ومنذ أواخر مايو، بدأت حفارات وآليات ثقيلة العمل داخل المنطقة، عبر شق طرق جديدة وتجريف الرمال وإزالة أجزاء من الغطاء النباتي وتركيب أسوار، وهو ما وصفته منظمات بيئية بأنه "تدمير لا يمكن إصلاحه".
راما يتمسك بالمشروع رغم الضغوط
رفض رئيس الوزراء إيدي راما التراجع عن المشروع، مؤكدًا أنه لن يتخلى عنه طالما بقي في السلطة.
وقال راما إن ألبانيا "لا يجب أن تخشى مشروعًا استثنائيًا" يجمع استثمارات عالمية ضخمة، معتبرًا أن المشروع ينسجم مع طموح بلاده للتحول إلى مركز سياحي دولي.
كما دافع عن سجل حكومته في مجال البيئة، واتهم جهات خارجية بإدارة حملات تضليل إلكترونية تهدف إلى تأجيج الاحتجاجات، مشيرًا إلى ما قال إنها محاولات مرتبطة بإيران، وهي اتهامات نفتها طهران سابقًا.
تحقيقات فساد وشبهات حول ملكية الأراضي
بالتوازي مع الاحتجاجات، أعلنت النيابة الخاصة بمكافحة الفساد والجريمة المنظمة في ألبانيا فتح تحقيق مرتبط بالمشروع، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية.
كما طلبت النيابة توقيف 20 شخصًا في إطار تحقيقات تتعلق بتهريب الكوكايين وغسل الأموال، مع الحجز على أصول تتجاوز قيمتها 128 مليون يورو.
وتشير وثائق رسمية إلى أن بعض الأراضي والعقارات المشمولة بالتحقيق تقع ضمن المنطقة المخصصة للمشروع، ما يثير تساؤلات إضافية حول ملكية الأراضي وعمليات الخصخصة التي تمت سابقًا.
وفي الوقت نفسه، يراقب الاتحاد الأوروبي تطورات القضية عن كثب، للتحقق من مدى التزام ألبانيا بالمعايير البيئية المطلوبة ضمن مسار انضمامها إلى الاتحاد.
تجربة صربيا تثير المخاوف
وتعيد الأزمة الحالية إلى الأذهان تجربة مشابهة في صربيا، حيث كان جاريد كوشنر يخطط لتطوير مجمع فاخر في العاصمة بلغراد.
لكن المشروع هناك تعثر بعدما وُجهت اتهامات إلى عدد من المسؤولين الصرب بإساءة استخدام السلطة وتزوير وثائق لتسهيل تنفيذه، ما دفع كوشنر لاحقًا إلى الانسحاب من الاستثمار.
وتثير هذه السابقة مخاوف متزايدة بشأن مستقبل المشروع في ألبانيا، في ظل استمرار الاحتجاجات واتساع الضغوط السياسية والبيئية والقضائية على الحكومة.
