الإمارات في الصدارة والسعودية وتركيا تلحقان بها.. معركة ضخمة على ثروات أفريقيا
استثمارات بمئات المليارات وموانئ وثروات معدنية وتحالفات أمنية.. كيف تحولت أفريقيا إلى ساحة نفوذ جديدة تتنافس عليها السعودية وتركيا والإمارات؟


بينما ينصب الاهتمام الدولي على التوترات في منطقة الخليج وتهديدات الحوثيين في البحر الأحمر، تتسارع في الكواليس تحركات إقليمية ترسم ملامح صراع أوسع على النفوذ في القارة الأفريقية.
وتتحرك السعودية وتركيا والإمارات عبر استثمارات ضخمة واتفاقيات أمنية وتحركات عسكرية ودبلوماسية، في محاولة لتعزيز حضورها في منطقة باتت تُنظر إليها باعتبارها ساحة استراتيجية رئيسية للتنافس الدولي والإقليمي.
وتأتي التحركات في وقت تتزايد فيه أهمية البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ليس فقط باعتبارهما ممرين حيويين للتجارة العالمية، وإنما بوابة إلى أسواق وموارد طبيعية واسعة داخل القارة الأفريقية.
تحالفات بحرية تتجاوز أمن البحر الأحمر
ومن أبرز التحركات الأخيرة الإعلان السعودي عن تشكيل تحالف بحري يضم 13 دولة بهدف تعزيز أمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وتزامن ذلك مع تعزيز التعاون الأمني بين الرياض وأنقرة، في إطار اتفاق دفاعي مشترك وقع في مكة إلى جانب باكستان.
لكن محللين يرون أن التحركات الأمنية في البحر الأحمر تمثل جزءًا من استراتيجية أوسع، تتجاوز حماية طرق الملاحة إلى تعزيز الحضور الاقتصادي والسياسي في أفريقيا.
ثروات معدنية تشعل المنافسة
وتتمتع أفريقيا بثروات هائلة من المعادن الاستراتيجية، إذ تشير تقديرات إلى امتلاك القارة نحو 15% من احتياطيات المعادن النادرة عالميًا، إلى جانب موارد مهمة من الليثيوم والكوبالت وغيرها من المعادن الضرورية لصناعات السيارات الكهربائية والتكنولوجيا والدفاع.
ودفع ذلك دولًا أفريقية، بينها الكونغو الديمقراطية وزيمبابوي، إلى اتخاذ خطوات للحد من تصدير المواد الخام وتشجيع معالجة المعادن داخل القارة، بهدف زيادة العائد الاقتصادي المحلي.
وفي هذا السياق، أعلنت السعودية التزامها باستثمارات تتجاوز 41 مليار دولار في قطاعات التنمية والصناعة والزراعة، ضمن مساعيها لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الدول الأفريقية.
تركيا توسع حضورها الدبلوماسي والعسكري
أما تركيا، فقد وسعت حضورها في القارة خلال السنوات الماضية من خلال زيادة عدد بعثاتها الدبلوماسية وتوسيع شبكة الرحلات الجوية وتعزيز صادراتها الدفاعية.
كما أصبحت أنقرة لاعبًا أمنيًا أكثر حضورًا في عدد من الدول، من بينها ليبيا والصومال والنيجر، بالتوازي مع تنامي علاقاتها التجارية والاستثمارية مع دول أفريقية مختلفة.
وتجمع تركيا بين النشاط الاقتصادي والتحركات الدبلوماسية والتعاون الدفاعي، ما يمنحها أدوات متعددة لتعزيز نفوذها في القارة.
الإمارات تتصدر سباق الاستثمارات
لكن الإمارات تبدو الأكثر نشاطًا من حيث حجم الاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية والموارد الطبيعية.
وبحسب تقارير، ضخت أبوظبي منذ عام 2017 أكثر من 168 مليار دولار في أفريقيا، شملت استثمارات في الموانئ والزراعة والتعدين ومشروعات البنية التحتية.
وتدير شركة DP World الإماراتية موانئ في عدد من الدول الأفريقية، فيما توسعت الاستثمارات الإماراتية لتشمل مساحات واسعة مخصصة للزراعة ومشروعات مرتبطة بالموارد الطبيعية.
ويمنح الاستثمار في الموانئ أهمية استراتيجية خاصة، نظرًا لدورها في ربط الأسواق الأفريقية بطرق التجارة العالمية، ولا سيما عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي.
نفوذ اقتصادي وسط جدل سياسي
ولا يخلو التوسع الإماراتي من جدل سياسي، خصوصًا في ظل الاتهامات الدولية الموجهة إلى أبوظبي بشأن دعم قوات الدعم السريع في السودان، وهي اتهامات تنفيها الإمارات بشكل قاطع.
ويعكس هذا الجدل مدى تعقيد التنافس على النفوذ في أفريقيا، حيث تتداخل الاستثمارات الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والسياسية والصراعات المحلية.
أفريقيا.. ساحة الصراع الجديدة
وتشير هذه التطورات إلى أن المنافسة على أفريقيا لم تعد مقتصرة على القوى الكبرى التقليدية، بل أصبحت دول الشرق الأوسط لاعبًا رئيسيًا فيها.
فالثروات المعدنية، والموانئ، والأراضي الزراعية، وممرات التجارة، إلى جانب الموقع الاستراتيجي للبحر الأحمر، تجعل القارة الأفريقية جزءًا أساسيًا من الحسابات الجيوسياسية الجديدة.
وبينما كان التنافس على أفريقيا في الماضي مرتبطًا بالمشروعات الاستعمارية والسيطرة المباشرة، يجري السباق الحالي بأدوات مختلفة تشمل الاستثمار، والموانئ، والتجارة، والتعاون العسكري، والطاقة والتكنولوجيا.
وبذلك، تبدو أفريقيا مرشحة لأن تصبح إحدى أبرز ساحات التنافس على النفوذ العالمي خلال السنوات المقبلة، مع سعي السعودية وتركيا والإمارات إلى تثبيت مواقعها في قارة تمتلك موارد استراتيجية متزايدة الأهمية للاقتصاد العالمي.