انقسام داخل الإدارة الأميركية: هل يقرر ترامب ضرب إيران أم العودة إلى التفاوض؟
واشنطن تدرس تصعيدًا عسكريًا محدودًا مع استمرار تعثر المفاوضات وارتفاع كلفة المواجهة على الاقتصاد والطاقة

عاد الملف الإيراني إلى صدارة المشهد داخل الإدارة الأميركية، بعدما كشفت تقارير أميركية عن اجتماع عقده الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع فريق الأمن القومي لبحث الخيارات المقبلة تجاه طهران، في ظل تعثر المفاوضات ورفض إيران تقديم تنازلات جوهرية في ملفها النووي. ووفق تقديرات أميركية، فإن ترامب لا يزال يفضّل التوصل إلى اتفاق يوقف الحرب ويمنع التصعيد، إلا أن الرد الإيراني الأخير دفع دوائر داخل البيت الأبيض إلى إعادة طرح سيناريوهات العمل العسكري كوسيلة ضغط لإجبار طهران على تعديل موقفها التفاوضي.
خلافات حول اليورانيوم والتنازلات النووية
التوتر تصاعد بعد رفض إيران المقترح الأميركي الأخير، الذي تضمن وقف البرنامج النووي الإيراني لفترة طويلة وتسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب. ترامب لمح إلى أن طهران كانت قد وافقت سابقاً على نقل مخزون اليورانيوم إلى الولايات المتحدة قبل أن تتراجع عن ذلك، بينما نفت إيران بشكل قاطع وجود أي تفاهم من هذا النوع. وفي المقابل، أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن بلاده تتمسك بما وصفه بـ"حقوق الشعب الإيراني" ضمن مقترح تفاوضي من 14 نقطة، محذراً من أن استمرار الضغوط الأميركية سيقود إلى مزيد من التصعيد والفشل السياسي.
خيارات عسكرية قيد الدراسة
بحسب مسؤولين أميركيين، يدرس ترامب سلسلة خيارات عسكرية محدودة تهدف إلى زيادة الضغط على إيران دون الانزلاق إلى حرب شاملة. ومن بين السيناريوهات المطروحة استئناف عمليات حماية الملاحة في مضيق هرمز ضمن عملية "مشروع الحرية"، إضافة إلى إمكانية تنفيذ موجة جديدة من الضربات الجوية ضد أهداف إيرانية لم تُستهدف خلال العمليات السابقة. وفي المقابل، تضغط إسرائيل باتجاه تنفيذ عملية خاصة لتأمين مخزون اليورانيوم الإيراني، غير أن البيت الأبيض لا يزال متردداً بسبب المخاطر العسكرية والسياسية المرتبطة بهذه الخطوة.
البنتاغون: الحرب كلّفت 29 مليار دولار
في موازاة التصعيد السياسي والعسكري، بدأت كلفة الحرب على إيران تتحول إلى عامل ضغط متزايد داخل واشنطن. فقد كشف البنتاغون خلال جلسات استماع في الكونغرس أن الكلفة التقديرية للحرب بلغت حتى الآن نحو 29 مليار دولار، تشمل العمليات العسكرية المباشرة والذخائر ونقل القوات والمعدات. وأوضح مسؤولون في وزارة الدفاع الأميركية أن الجزء الأكبر من الزيادة الأخيرة يعود إلى تكاليف إصلاح أو استبدال معدات عسكرية تضررت خلال المواجهات.
لكن جلسات الكونغرس كشفت أيضاً أن هذه التقديرات لا تشمل حتى الآن كلفة إعادة بناء القواعد الأميركية التي تعرضت لأضرار نتيجة الهجمات الإيرانية، وسط غياب رؤية واضحة بشأن مستقبل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة. وأقر مسؤول مالي في البنتاغون بأن الإدارة لا تعرف بعد أي القواعد ستُعاد تأهيلها أو ما إذا كانت بعض المنشآت ستُغلق نهائياً، كما لمح إلى أن واشنطن تتوقع مساهمة حلفائها الخليجيين في تغطية جزء من تكاليف إعادة الإعمار العسكري.
النفط وأسعار الطاقة يضغطان على البيت الأبيض
اقتصادياً، بدأ التصعيد ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة، بعدما ارتفعت أسعار النفط إلى أكثر من مئة دولار للبرميل وسط مخاوف من اضطراب الملاحة في الخليج. وذكرت تقارير أميركية أن إدارة ترامب قررت ضخ أكثر من 53 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي لاحتواء ارتفاع الأسعار، خاصة مع تراجع شعبية ترامب واقتراب الانتخابات النصفية. وتشير تقديرات أميركية إلى أن طهران تراهن على استمرار ارتفاع أسعار النفط لتعزيز موقعها التفاوضي وزيادة الضغط الداخلي على الإدارة الأميركية.
الصين تدخل على خط الأزمة
يتزامن هذا التصعيد مع استعداد ترامب للتوجه إلى بكين للقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ، حيث يُتوقع أن يحتل الملف الإيراني مساحة مركزية في المحادثات. وتسعى طهران إلى توسيع الدور الصيني عبر طرح فكرة أن تكون بكين ضامناً لأي اتفاق مستقبلي مع واشنطن، فيما ترى الإدارة الأميركية أن الصين تملك أدوات ضغط حقيقية على إيران بحكم العلاقات الاقتصادية والنفطية بين الطرفين. وتقدّر أوساط أميركية أن ترامب لن يتخذ قراراً عسكرياً كبيراً قبل انتهاء زيارته إلى الصين ووضوح نتائج الاتصالات مع القيادة الصينية.
انقسامات داخل واشنطن ومخاوف من حرب طويلة
داخل المؤسسة الأميركية، تتزايد الانقسامات حول كيفية إدارة المواجهة مع إيران. فبينما يدفع تيار داخل إدارة ترامب نحو تشديد الضغوط وربما تنفيذ ضربات إضافية لتحسين شروط التفاوض، يحذر آخرون من أن أي تصعيد واسع قد يجر الولايات المتحدة إلى مواجهة إقليمية طويلة ومكلفة. وفي موازاة ذلك، تراقب إسرائيل مسار المفاوضات بقلق، وسط تقديرات بأن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت الأزمة ستتجه نحو تسوية سياسية أم نحو جولة جديدة من المواجهة العسكرية المفتوحة.
