هل ينقسم الناتو؟ قمة أنقرة تكشف أخطر أزمة في تاريخ الحلف
قمة أنقرة تبحث إعادة توزيع الأدوار داخل الناتو وسط ضغوط أميركية بقيادة دونالد ترامب، وتزايد القلق الأوروبي من تراجع الالتزام الأمني، مع صعود واضح لدور تركيا في صياغة مستقبل الحلف

تنعقد القمة الـ36 لحلف حلف شمال الأطلسي في أنقرة وسط بيئة استراتيجية غير مسبوقة، تجمع بين تداعيات الحرب مع إيران، تصاعد الخلافات عبر الأطلسي، وتزايد الشكوك الأوروبية في استمرارية الالتزام الأميركي. في هذا السياق، تتحول القمة إلى نقطة مفصلية قد تعيد تعريف شكل الحلف ووظائفه في السنوات المقبلة.
ضغوط واشنطن: إعادة صياغة قواعد اللعبة
منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تتعرض بنية الناتو لضغوط متزايدة. الانتقادات العلنية للحلف، إلى جانب التهديدات بإعادة النظر في الالتزامات الأمنية، انتقلت من مستوى الخطاب إلى خطوات عملية، أبرزها قرار تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، خاصة في ألمانيا.
وتشير تقديرات إلى أن هذا التوجه لا يهدف فقط إلى خفض الأعباء، بل إلى إعادة ضبط سلوك الحلفاء، عبر دفعهم لتحمل مسؤوليات أكبر، خصوصًا في ملفات مثل إيران وأمن الطاقة.
أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية
في المقابل، فتحت العواصم الأوروبية نقاشًا غير مسبوق حول مستقبل الاعتماد على الولايات المتحدة. فقد دفعت التوترات الأخيرة إلى إحياء مفاهيم مثل “الاستقلال الدفاعي الأوروبي”، والبحث في تفعيل المادة 42.7 من معاهدة لشبونة كبديل أو مكمّل للمادة الخامسة في الناتو.
كما تتزايد الدعوات لبناء ما يُعرف بـ“ناتو أوروبي”، يستند إلى هياكل الحلف الحالية، لكن بقيادة أوروبية أوسع. غير أن هذا المسار يواجه تحديات، أبرزها غياب الإجماع بين الدول الأعضاء، والفجوات في القدرات العسكرية والتكنولوجية.
من "التحالف الشامل" إلى "تحالف الراغبين"
أحد الاتجاهات البارزة يتمثل في التحول نحو نموذج "تحالف الراغبين"، حيث تقود مجموعة محددة من الدول العمليات العسكرية، بدل الاعتماد على إجماع كامل داخل الحلف.
هذا النموذج، الذي ظهر جزئيًا في دعم أوكرانيا، قد يصبح أكثر حضورًا في المرحلة المقبلة، لكنه يثير مخاوف من تآكل التماسك الداخلي وظهور "ناتو بسرعات مختلفة".
تركيا: استثمار اللحظة لتعزيز النفوذ
استضافة أنقرة للقمة ليست تفصيلًا بروتوكوليًا، بل تعكس صعود دور تركيا داخل الحلف. وتسعى أنقرة إلى استغلال اللحظة لتعزيز موقعها، سواء عبر دفع مشاريع عسكرية مشتركة، أو طرح أفكار لإنشاء تشكيلات متعددة الجنسيات بقيادة تركية.
كما تعمل تركيا على إبراز تقدمها في الصناعات الدفاعية، في ظل بحث أوروبي متزايد عن بدائل وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا في قلب النقاش
في ظل الحروب الحديثة، التي باتت تعتمد بشكل متزايد على المسيّرات والذكاء الاصطناعي، يتوقع أن تركز القمة على تطوير القدرات التكنولوجية داخل الحلف.
لكن هذا المسار يواجه عقبات، أبرزها الخلافات الصناعية بين الدول الأوروبية، كما يظهر في مشاريع مثل المقاتلة الأوروبية المشتركة، إضافة إلى فجوات واضحة في مجالات مثل الدفاع الجوي والتصدي للطائرات المسيّرة.
أزمة ثقة عبر الأطلسي
التقارير عن نية واشنطن معاقبة دول داخل الناتو، وتصنيفها بين “منضبطة” و”غير منضبطة”، تعكس عمق الأزمة داخل الحلف. كما أن التلويح بسحب قوات إضافية من دول مثل إيطاليا وإسبانيا يزيد من حدة التوتر.
ورغم ذلك، لا تشير المؤشرات إلى انسحاب أميركي كامل، بل إلى إعادة تموضع قد يغيّر طبيعة العلاقة بين ضفتي الأطلسي.
نحو نظام أمني جديد
تأتي القمة في ظل تحول أوسع في النظام الدولي نحو تعددية قطبية، ما يفرض على الناتو التكيف مع بيئة أكثر تعقيدًا. فالتحديات لم تعد تقتصر على التهديدات التقليدية، بل تشمل الأمن السيبراني، والطاقة، والعمليات الهجينة.
ويرى محللون أن القمة قد تفضي إلى قرارات تعزز دور أوروبا داخل الحلف، مع الحفاظ على الدور الأميركي، ولكن بصيغة مختلفة.
لحظة حسم لمستقبل الحلف
تقف قمة أنقرة أمام مفترق طرق: إما إعادة تماسك حلف شمال الأطلسي عبر توزيع جديد للأدوار، أو الدخول في مرحلة من التصدع التدريجي.
في ظل ضغوط واشنطن، وطموحات أنقرة، وقلق أوروبا، تبدو مخرجات القمة حاسمة ليس فقط لمستقبل الناتو، بل لمعادلات الأمن في أوروبا والشرق الأوسط على حد سواء.
