- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- الناتو أمام اختبار مصيري في أنقرة.. ضغوط ترامب وحروب المنطقة تهدد وحدة الحلف
الناتو أمام اختبار مصيري في أنقرة.. ضغوط ترامب وحروب المنطقة تهدد وحدة الحلف
الخلافات الأميركية الأوروبية حول الإنفاق الدفاعي وأوكرانيا وإيران تهيمن على القمة، فيما تسعى تركيا إلى تعزيز نفوذها داخل الحلف وإطلاق مرحلة جديدة من إعادة صياغة دور "الناتو" بمواجهة التحديات العالمية

تنطلق اليوم الثلاثاء في العاصمة التركية أنقرة أعمال قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وسط واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الحلف، في ظل تصاعد الخلافات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، وتزايد التحديات الأمنية المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات في الشرق الأوسط، ومستقبل منظومات الدفاع الغربية.
وتحمل القمة، التي يشارك فيها قادة 32 دولة عضوًا في الحلف إلى جانب عشرات الوزراء والشركاء، أبعادًا تتجاوز الملفات العسكرية التقليدية، مع تصاعد الحديث داخل أروقة “الناتو” عن ضرورة إعادة تعريف دور الحلف وأولوياته الاستراتيجية في عالم يشهد تحولات متسارعة.
ترامب يعود للضغط على الحلفاء
وتتجه الأنظار بشكل خاص إلى مشاركة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي عاد في الأشهر الأخيرة إلى توجيه انتقادات حادة للحلفاء الأوروبيين بسبب مستويات الإنفاق الدفاعي، ملوحًا مجددًا بإمكانية تقليص التزام واشنطن تجاه “الناتو”.
وبحسب تقارير أميركية، يسعى قادة الحلف إلى تجنب أي مواجهة مباشرة مع ترامب خلال القمة، وسط مخاوف أوروبية من أن تتحول الاجتماعات إلى ساحة خلاف علني حول تقاسم الأعباء الدفاعية ومستقبل العلاقة عبر الأطلسي.
وكان ترامب قد كرر في الأيام الأخيرة اتهامه للدول الأوروبية بالاعتماد المفرط على المظلة الأمنية الأميركية، معتبرًا أن الولايات المتحدة “تدفع أكثر بكثير مما تحصل عليه” داخل الحلف
أوكرانيا وإيران في قلب النقاشات
وتأتي القمة في وقت تتواصل فيه الحرب الروسية الأوكرانية بوتيرة متصاعدة، مع استمرار الجدل داخل الحلف بشأن حجم الدعم العسكري المطلوب لكييف.
وفي موازاة ذلك، فرضت الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران نفسها على أجندة القمة، بعدما كشفت التطورات العسكرية في المنطقة ثغرات تتعلق بمنظومات الدفاع الجوي والصواريخ والطائرات المسيّرة، وأعادت النقاش حول طبيعة التهديدات المستقبلية التي يواجهها الحلف.
كما تطرح التطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وأمن سلاسل التوريد، وحماية طرق التجارة الدولية، تحديات إضافية أمام “الناتو”، الذي يسعى إلى تحديث عقيدته العسكرية بما يتلاءم مع طبيعة الحروب الحديثة.
أنقرة تستثمر القمة لتعزيز مكانتها
وتتعامل تركيا مع استضافة القمة باعتبارها فرصة استراتيجية لتعزيز مكانتها داخل الحلف، خصوصًا في ظل دورها الجغرافي المحوري بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود.
ومن المنتظر أن يشهد جدول الأعمال عقد منتدى الصناعات الدفاعية للمرة الأولى ضمن البرنامج الرسمي للقمة، في خطوة ترى فيها أنقرة فرصة لتوسيع تعاونها العسكري والتكنولوجي مع دول الحلف، بعد التطور الكبير الذي حققته الصناعات الدفاعية التركية خلال السنوات الأخيرة.
وأكد مسؤولون أتراك أن القمة تشكل “نقطة تحول” في مستقبل الحلف، مع التركيز على ضرورة إزالة القيود والعقوبات المفروضة على التعاون الدفاعي بين الدول الأعضاء.
قلق أوروبي من مستقبل الحلف
وتكشف أجواء القمة عن حجم التوتر المتصاعد داخل المعسكر الغربي، خاصة مع تزايد الشكوك الأوروبية بشأن مستقبل الالتزام الأميركي بأمن القارة.
ويرى خبراء غربيون أن "الناتو" يمر بمرحلة إعادة هيكلة عميقة، تشمل إعادة تعريف التهديدات والأولويات، في وقت عادت فيه روسيا إلى صدارة التهديدات العسكرية للحلف، بينما دخلت الصين بقوة إلى الحسابات الاستراتيجية المرتبطة بالتكنولوجيا والبنية التحتية والنفوذ العالمي.
وفي هذا السياق، يحذر مسؤولون أوروبيون من أن أي تراجع أميركي قد يدفع أوروبا إلى تسريع بناء منظومة دفاعية أكثر استقلالية عن واشنطن.
إنفاق دفاعي قياسي وضغوط متزايدة
ومن أبرز الملفات المطروحة على الطاولة مسألة رفع الإنفاق الدفاعي، إذ يسعى الحلف إلى دفع الدول الأعضاء للوصول إلى نسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي على مجالات الدفاع والأمن بحلول عام 2035.
وتشير تقديرات “الناتو” إلى أن الحلفاء الأوروبيين وكندا رفعوا إنفاقهم الدفاعي بأكثر من 139 مليار دولار خلال العام الماضي، وسط سباق متسارع لتعزيز الجاهزية العسكرية.
وتؤكد ألمانيا أنها بصدد تنفيذ أكبر عملية تحديث عسكري منذ الحرب الباردة، بينما تواصل دول أوروبية أخرى زيادة استثماراتها في الدفاع والصناعات العسكرية.
إسبانيا في مواجهة مباشرة مع ترامب
وفي المقابل، برزت إسبانيا كأحد أبرز المعارضين للضغوط الأميركية، بعدما رفضت حكومة بيدرو سانشيز الالتزام برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5%، ما فجّر مواجهة سياسية مع إدارة ترامب.
ووصف الرئيس الأميركي مدريد بأنها "شريك سيئ"، متهماً الحكومة الإسبانية بعدم تحمل مسؤولياتها داخل الحلف، فيما ردت إسبانيا بالتأكيد على أن مساهمتها لا تقاس فقط بحجم الإنفاق العسكري، بل أيضًا بمشاركتها العملياتية في مهام “الناتو”.
كما زادت الخلافات بين الجانبين بعد رفض مدريد دعم الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران، وإعلانها عدم السماح باستخدام قواعدها العسكرية في أي عمليات مرتبطة بالحرب.
لقاءات سياسية حساسة على هامش القمة
ومن المتوقع أن تشهد القمة سلسلة لقاءات سياسية بارزة، بينها اجتماعات تجمع ترامب بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إضافة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، وفق ما أعلنه البيت الأبيض.
وتكتسب هذه اللقاءات أهمية خاصة في ظل تعقيدات الملفات الإقليمية، ومحاولات واشنطن إعادة ترتيب تحالفاتها الدولية بالتوازي مع احتواء الأزمات المفتوحة في أوكرانيا والشرق الأوسط.
هل يدخل "الناتو 3.0" مرحلة التنفيذ؟
ويرى مراقبون أن قمة أنقرة قد تشكل بداية فعلية لما بات يوصف داخل الدوائر الغربية بـ"الناتو 3.0"، أي النسخة الجديدة من الحلف التي تقوم على توسيع مفهوم الأمن ليشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الردع العسكري التقليدي.
لكن نجاح هذا التحول سيبقى مرتبطًا بقدرة الحلف على احتواء التناقضات المتزايدة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، والحفاظ على تماسكه في مواجهة عالم يشهد إعادة رسم موازين القوى الدولية بوتيرة متسارعة.
