- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- هل يتحول مضيق هرمز إلى مأزق استراتيجي يعيد رسم مسار الحرب مع إيران؟
هل يتحول مضيق هرمز إلى مأزق استراتيجي يعيد رسم مسار الحرب مع إيران؟
تصاعد التهديدات للملاحة وارتفاع أسعار النفط يضعان الممر النفطي الأهم في العالم في قلب المواجهة بين إيران والولايات المتحدة

تحوّل مضيق هرمز في الأسابيع الأخيرة إلى العقدة المركزية في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بعدما أصبح الممر البحري الحيوي أداة ضغط استراتيجية تستخدمها طهران للتأثير على الاقتصاد العالمي وعلى حسابات واشنطن السياسية والعسكرية.
وبحسب تقارير صحفية أميركية، بينها ما نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، فقد راهن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في بداية العمليات العسكرية على أن الضربات السريعة قد تدفع إيران إلى التراجع أو حتى تمهّد لتغيير القيادة في طهران. غير أن هذا التقدير واجه اختباراً صعباً مع انتقال المواجهة إلى ساحة مختلفة: أمن الطاقة العالمي.
فبدلاً من التراجع، بدأت إيران استخدام ورقة مضيق هرمز عبر تهديد الملاحة البحرية واستهداف ناقلات النفط وسفن الشحن، ما أدى إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط إلى ما يتجاوز 100 دولار للبرميل.
أزمة تتجاوز الميدان العسكري
مع تصاعد التوتر في المضيق، لم تعد المواجهة محصورة في الجانب العسكري، بل امتدت إلى أبعاد سياسية واقتصادية عالمية. إذ يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس تجارة النفط العالمية، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة هناك ذا تأثير مباشر على الاقتصاد الدولي.
بالنسبة للإدارة الأميركية، يشكل استمرار الأزمة تحدياً مزدوجاً: فمن جهة يضع واشنطن أمام مهمة إعادة تأمين أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ومن جهة أخرى يفرض عليها حشد دعم دولي لتحمل كلفة المواجهة.
كما أن ارتفاع أسعار النفط انعكس سريعاً داخل الولايات المتحدة، حيث ارتفع متوسط سعر البنزين إلى نحو 3.5 دولارات للغالون، ما يضيف ضغطاً سياسياً على البيت الأبيض، خصوصاً أن ترامب عاد إلى السلطة متعهداً بتجنب الحروب المكلفة.
فجوة بين الخطاب والواقع
تزداد حساسية الأزمة أيضاً بسبب التباين بين الخطاب السياسي والواقع الميداني. فقد أعلن ترامب في بداية العمليات أن الولايات المتحدة نجحت في تدمير القدرات العسكرية الإيرانية بشكل شبه كامل، لكنه أقر لاحقاً بأن إيران ما زالت قادرة على استخدام الطائرات المسيّرة وزراعة الألغام البحرية وإطلاق الصواريخ المضادة للسفن.
هذا التناقض يمنح طهران رواية مضادة مفادها أن الحرب لم تحقق أهدافها الحاسمة، وأنها ما تزال قادرة على تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
خيارات أميركية محفوفة بالمخاطر
في مواجهة هذا الوضع، تبدو خيارات واشنطن متعددة لكنها جميعاً تنطوي على مخاطر كبيرة.
الخيار الأول يتمثل في توسيع الحضور العسكري البحري ومحاولة فرض سيطرة مباشرة على المضيق، وهو ما بدأ بالفعل عبر إرسال قوات وسفن إضافية إلى المنطقة. غير أن هذا المسار قد يعرّض القوات الأميركية لهجمات بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة.
أما الخيار الثاني فيقوم على تشكيل مظلة حماية بحرية للسفن التجارية عبر مرافقتها بقطع بحرية أميركية وربما متعددة الجنسيات. لكن هذا السيناريو يثير مخاوف داخل البنتاغون من أن تتحول السفن الحربية نفسها إلى أهداف مباشرة.
الخيار الثالث يتمثل في تصعيد الضغط الاقتصادي على إيران عبر استهداف البنية التحتية النفطية. وفي هذا السياق برزت جزيرة خرج بوصفها نقطة ضغط محتملة، إذ تمر عبرها غالبية صادرات النفط الإيراني. وقد استهدفت الولايات المتحدة
مواقع عسكرية في الجزيرة من دون المساس بالبنية النفطية حتى الآن، مع إبقاء التهديد قائماً باستهدافها إذا استمرت إيران في تعطيل الملاحة.
أما الخيار الرابع فيتمثل في السعي إلى إنهاء الحرب سياسياً وإعلان تحقيق إنجاز استراتيجي. إلا أن هذا الخيار يواجه معضلة واضحة، إذ إن وقف العمليات دون تحقيق الأهداف المعلنة – وعلى رأسها إضعاف النظام الإيراني أو تغيير قيادته – قد يُفسَّر على أنه تراجع تحت الضغط.
تحالف دولي لم يتبلور بعد
حتى الآن، لا يبدو أن واشنطن نجحت في تشكيل تحالف دولي واسع لحماية الملاحة في المضيق. فقد تحدث ترامب عن إمكانية إنشاء قوة بحرية متعددة الجنسيات، لكن الاستجابة الدولية بقيت حذرة.
بريطانيا أشارت إلى مناقشات مع الحلفاء حول استخدام طائرات مسيّرة للكشف عن الألغام البحرية، بينما أبدت فرنسا دعماً لفكرة مهمة دفاعية لحماية الملاحة، مع تأكيد الرئيس ايمانويل ماكرون أن أي عملية من هذا النوع يجب أن تكون دفاعية بالكامل وقد تحتاج إلى أسابيع من التحضير.
ويعكس هذا التردد الأوروبي مخاوف من الانخراط في مواجهة عسكرية أوسع تقودها واشنطن.
المخاطر بالنسبة لإيران
في المقابل، تحمل هذه المواجهة مخاطر كبيرة لإيران أيضاً. فإذا نجحت الولايات المتحدة في فرض سيطرة بحرية أو تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة، فقد تفقد طهران إحدى أهم أوراق الضغط الاستراتيجية لديها.
كما أن تهديد واشنطن باستهداف منشآت النفط في جزيرة خرج قد يضرب شرياناً اقتصادياً حيوياً، إذ يمر عبر الجزيرة نحو 90% من صادرات النفط الإيراني.
مضيق قد يحدد مسار الحرب
في المحصلة، يبدو أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ساحة ثانوية في الحرب، بل تحول إلى المحور الذي قد يحدد اتجاهها النهائي. فإيران، رغم الضربات التي تعرضت لها، ما تزال قادرة على فرض كلفة استراتيجية على الولايات المتحدة من خلال تهديد الطاقة العالمية.
وبين ضغوط الأسواق، وتردد الحلفاء، واستمرار التوتر في الممر البحري، يبرز سؤال استراتيجي جديد: هل تستطيع واشنطن إعادة فتح مضيق هرمز وفرض معادلة ردع جديدة، أم أن هذا الممر الضيق قد يتحول إلى المأزق الذي يعيد رسم مسار الحرب بأكملها؟
