- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- لماذا يتريث الحوثيون في دعم إيران رغم احتدام الحرب عليها؟
لماذا يتريث الحوثيون في دعم إيران رغم احتدام الحرب عليها؟
حسابات البقاء في اليمن والتوازنات الإقليمية تفرض سياسة الانتظار

مع اتساع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى منذ أواخر فبراير/شباط 2026، برز سؤال لافت في الأوساط الإقليمية والدولية: لماذا لم ينخرط الحوثيون في اليمن حتى الآن في المواجهة، رغم أنهم يُعدّون أحد أبرز مكونات ما يُعرف بـ"محور المقاومة" وأكثرها قدرة على تهديد المصالح الغربية والإسرائيلية في البحر الأحمر؟
هذا التريث يبدو مفارِقاً لسلوك الجماعة في محطات سابقة. فبعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، لم يستغرق الحوثيون سوى أيام قليلة لإعلان دعمهم العسكري لغزة، حيث أطلقوا صواريخ باتجاه إسرائيل وبدأوا لاحقاً حملة استهداف السفن في البحر الأحمر، التي تحولت إلى أحد أبرز مظاهر التصعيد الإقليمي. أما اليوم، ومع اندلاع حرب مباشرة على إيران نفسها، فقد اكتفت قيادة الجماعة بخطابات سياسية وإشارات إلى أن "الأيدي على الزناد"، من دون ترجمة ذلك إلى عمليات عسكرية واسعة.
هذا التردد لا يرتبط بعامل واحد، بل يبدو نتيجة تفاعل مجموعة معقدة من الحسابات الاستراتيجية الداخلية والخارجية، إضافة إلى اعتبارات أيديولوجية مرتبطة بطبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران.
أول هذه العوامل يتعلق بالصدمة التي أصابت البنية القيادية للنظام الإيراني بعد الضربة الأولى للحرب، التي أسفرت عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين. هذا الحدث غير المسبوق أربك منظومة القيادة داخل طهران، ما قد يكون أدى إلى خلل مؤقت في قنوات التنسيق بين إيران وحلفائها الإقليميين. ويشير محللون إلى أن الحوثيين يعتمدون بدرجة كبيرة على توجيهات استراتيجية من طهران ضمن ما يشبه "غرفة عمليات مشتركة" لمحور المقاومة، الأمر الذي قد يفسر حالة الانتظار الحالية لحين اتضاح شكل القيادة الإيرانية الجديدة واستراتيجية الرد.
إلى جانب ذلك، يواجه الحوثيون اعتبارات داخلية ضاغطة تجعل الانخراط الفوري في الحرب خياراً محفوفاً بالمخاطر. فالمناطق التي يسيطرون عليها في اليمن تعاني أزمة اقتصادية حادة، مع تراجع الموارد المالية وارتفاع مستويات الفقر والديون بين السكان. كما أن الجماعة تكبدت خلال العامين الماضيين خسائر عسكرية وبشرية نتيجة الضربات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية التي استهدفت بنيتها التحتية ومواقعها القيادية عقب هجماتها على الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
في هذا السياق، يدرك الحوثيون أن أي تدخل عسكري مباشر في الحرب الحالية قد يفتح الباب أمام حملة عسكرية جديدة وأكثر قسوة ضدهم، خاصة في ظل انشغال واشنطن وتل أبيب بمواجهة إيران نفسها. مثل هذا السيناريو قد يهدد بقاء الجماعة في السلطة داخل صنعاء، خصوصاً إذا استغلت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أو القوى المناوئة للحوثيين الفرصة لإعادة فتح جبهات القتال الداخلية.
كما أن الجماعة تواجه حسابات سياسية مرتبطة بعلاقاتها الإقليمية، وعلى رأسها العلاقة مع السعودية. فخلال السنوات الأخيرة ظهرت مؤشرات على تهدئة غير معلنة بين الطرفين بعد سنوات من الحرب. أي تصعيد حوثي واسع ضد المصالح الخليجية أو الملاحة الدولية قد يقوض هذه التفاهمات الهشة ويعيد اليمن إلى دائرة مواجهة إقليمية مباشرة، وهو ما تحاول الجماعة تجنبه في المرحلة الحالية.
إلى جانب الضغوط الداخلية والإقليمية، تبدو هناك أيضاً خلافات داخلية في صفوف القيادة الحوثية حول توقيت وطبيعة التدخل. تشير تسريبات وتحليلات إلى وجود جناحين داخل الحركة: أحدهما يدفع باتجاه الانخراط السريع إلى جانب إيران لتعزيز موقع الحوثيين داخل محور المقاومة، فيما يفضّل جناح آخر التريث وتقييم مسار الحرب قبل اتخاذ قرار قد تكون له تبعات استراتيجية طويلة المدى.
أما على المستوى الأيديولوجي، فرغم أن الحوثيين يقدّمون أنفسهم كجزء من محور إقليمي تقوده إيران، فإن تدخلهم العسكري في النزاعات الإقليمية غالباً ما يرتبط بقدرتهم على تسويق ذلك داخلياً. دعم غزة، على سبيل المثال، منح الجماعة غطاءً شعبياً واسعاً داخل اليمن والعالم العربي بسبب البعد العاطفي للقضية الفلسطينية. أما الانخراط المباشر في حرب دفاعاً عن إيران، فقد يكون أقل قبولاً لدى الرأي العام اليمني، الذي قد يرى فيه تورطاً في صراع إقليمي لا يخدم المصالح المحلية.
مع ذلك، لا يعني التريث الحالي أن الحوثيين قرروا النأي بأنفسهم عن الصراع. فالحركة التي تطورت خلال العقدين الماضيين من تمرد محلي إلى فاعل إقليمي باتت ترى نفسها جزءاً من شبكة عابرة للحدود ضمن محور المقاومة. كما أن إيران استثمرت لسنوات في بناء قدراتها العسكرية، خصوصاً في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة.
لذلك، يرجح مراقبون أن قرار الانخراط الحوثي في الحرب سيبقى مرتبطاً بتطورات الميدان. فإذا اتجهت طهران إلى توسيع المواجهة نحو البحر الأحمر أو مضيق باب المندب، أو إذا تعرض حلفاؤها الإقليميون لضربات قاسية، فقد يصبح تدخل الحوثيين جزءاً من استراتيجية الرد الإقليمي الأوسع. أما في المرحلة الراهنة، فيبدو أن الجماعة اختارت استراتيجية الانتظار والمراقبة، محاولة الموازنة بين ولائها لمحورها الإقليمي وغريزة البقاء التي تفرضها تعقيدات المشهد اليمني.
