- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- حرب الرسائل في الخليج: لماذا تصعّد إيران عسكرياً ضد الإمارات؟
حرب الرسائل في الخليج: لماذا تصعّد إيران عسكرياً ضد الإمارات؟
تصعيد غير مسبوق يضع الإمارات في قلب المواجهة الإقليمية ويكشف حسابات الردع الإيرانية في الخليج

مع اتساع رقعة المواجهة العسكرية في المنطقة عقب الضربات الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران، برزت ظاهرة لافتة في مسار الرد الإيراني: تركيز غير مسبوق للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة على دولة الإمارات العربية المتحدة. فخلال أيام قليلة من التصعيد، تعرّضت الإمارات لمئات – بل آلاف – المقذوفات، في مستوى من الاستهداف فاق ما تعرضت له دول أخرى في المنطقة، بل وُصف في بعض التقارير الغربية بأنه أكبر من حجم الضربات التي طالت إسرائيل نفسها.
هذه الكثافة في الاستهداف أثارت تساؤلات داخل المنطقة وخارجها، وحتى بين بعض الإيرانيين أنفسهم، حول الأسباب التي دفعت طهران إلى تركيز جانب كبير من قوتها النارية على دولة خليجية حاولت في السنوات الأخيرة الحفاظ على مسافة من التصعيد الإقليمي. قراءة المعطيات السياسية والعسكرية تشير إلى مجموعة من العوامل المتداخلة التي قد تفسر هذا التوجه.
استهداف غير مباشر للتحالف الأميركي في الخليج
تؤكد الرواية الإيرانية الرسمية أن ضرباتها موجهة أساساً إلى القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة، في إطار الرد على الضربات التي استهدفت منشآت داخل إيران. وفي هذا السياق، ترى طهران أن الإمارات تمثل إحدى أهم نقاط الارتكاز العسكرية واللوجستية للولايات المتحدة في الخليج.
فالعلاقة الدفاعية الوثيقة بين أبوظبي وواشنطن، إلى جانب استثمارات الإمارات الكبيرة في أنظمة التسليح الأميركية ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة، جعلت من أراضيها – في نظر صناع القرار في طهران – جزءاً من شبكة الردع الأميركية في المنطقة. لذلك فإن ضرب هذه المواقع أو محيطها يتيح لإيران توجيه رسالة ضغط إلى الولايات المتحدة دون الانخراط في مواجهة مباشرة معها.
حسابات الردع المرتبطة بالجزر المتنازع عليها
إلى جانب البعد العسكري، يرى مراقبون بروز عامل آخر يرتبط بالتوتر التاريخي حول الجزر الثلاث في الخليج: أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى. فبعض الخطابات الإعلامية القريبة من طهران تحدثت قبل اندلاع الحرب عن سيناريو محتمل تسعى فيه الولايات المتحدة وإسرائيل إلى استغلال أي صراع إقليمي للضغط باتجاه تغيير الوضع القائم في هذه الجزر.
من هذا المنظور، يمكن قراءة التصعيد الإيراني تجاه الإمارات باعتباره رسالة ردع مبكرة، تهدف إلى تحذير الأطراف الإقليمية والدولية من دعم أي خطوة قد تمس السيطرة الإيرانية على تلك الجزر. بمعنى آخر، تسعى طهران إلى رفع كلفة أي محاولة لإعادة فتح هذا الملف في سياق الحرب.
البعد الاقتصادي والرمزي للنموذج الإماراتي
وحسب المراقبين لا يقتصر التفسير على الحسابات العسكرية والجيوسياسية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى البعد الاقتصادي والرمزي. فالإمارات، ولا سيما دبي، تمثل مركزاً عالمياً للتجارة والطيران والخدمات اللوجستية، كما أصبحت خلال العقود الماضية ملاذاً اقتصادياً لرؤوس الأموال الإيرانية في ظل العقوبات الغربية.
فمئات الآلاف من الإيرانيين يقيمون في الإمارات، فيما استثمر رجال أعمال إيرانيون مليارات الدولارات في قطاعات العقارات والتجارة والسياحة. هذا الواقع خلق علاقة اقتصادية معقدة بين البلدين، لكنها في الوقت ذاته أثار حساسية لدى بعض دوائر السلطة في إيران التي ترى في نجاح النموذج الاقتصادي الإماراتي مفارقة مؤلمة مقارنة بالوضع الاقتصادي الداخلي في إيران.
وبناءً على ذلك، فإن استهداف البنية التحتية أو المراكز الاقتصادية في الإمارات يمكن أن يُقرأ أيضاً كجزء من استراتيجية “الردع غير المتماثل”، التي تسعى من خلالها طهران إلى التأثير في شبكة المصالح الاقتصادية العالمية المرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها.
عامل الجغرافيا وسهولة الاستهداف
وحسب محللين، فإن الجغرافيا تلعب دوراً مهماً في حسابات العمليات العسكرية. فالمسافة بين السواحل الإيرانية والإماراتية لا تتجاوز نحو 100 كيلومتر عبر مياه الخليج، ما يجعلها هدفاً أسهل نسبياً للصواريخ والطائرات المسيّرة مقارنة بدول أخرى أبعد جغرافياً.
هذا القرب يمنح إيران قدرة على تنفيذ هجمات متكررة بكلفة أقل، مع إمكانية تحقيق تأثير إعلامي ونفسي كبير، خاصة عندما تستهدف مناطق حضرية أو مراكز اقتصادية معروفة عالمياً مثل دبي أو أبوظبي.
ما وراء التصعيد
رغم التبريرات الإيرانية التي تؤكد أن الهجمات تستهدف القواعد الأميركية فقط، فإن حجم الضربات التي طالت الأراضي الإماراتية، إضافة إلى استهداف مواقع مدنية وبنية تحتية، أثار انتقادات واسعة في المنطقة، وطرح تساؤلات حول حدود استراتيجية الردع الإيرانية.
كما أن التصريحات اللاحقة لبعض المسؤولين الإيرانيين، التي شددت على احترام سيادة الدول العربية والرغبة في استعادة العلاقات الطبيعية بعد انتهاء الحرب، تعكس إدراكاً متأخراً لحساسية استهداف دولة كانت حتى وقت قريب أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لإيران.
يبدو أن تركيز الهجمات الإيرانية على الإمارات لا يرتبط بسبب واحد، بل هو نتاج تداخل عوامل استراتيجية وسياسية واقتصادية، تتراوح بين استهداف النفوذ الأميركي، وإرسال رسائل ردع إقليمية، ومحاولة التأثير في مركز اقتصادي عالمي.
غير أن هذه المقاربة قد تحمل لطهران كلفة سياسية وإقليمية مرتفعة، خصوصاً إذا أدت إلى تقويض ما تبقى من جسور الثقة مع دول الخليج في مرحلة تشهد أصلاً تصعيداً غير مسبوق في المنطقة.
