- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- سيادةٌ بوجهين… دمشق بين الشروط الإسرائيلية والاحتلال التركي
سيادةٌ بوجهين… دمشق بين الشروط الإسرائيلية والاحتلال التركي
خلاف واشنطن وإسرائيل يتصاعد بعد ضربة قاعدة أبو الظهور، وسط تباين حول الوجود التركي في سوريا ومساعي أميركية لمنع مواجهة أوسع بين إسرائيل وتركيا، شاهدوا تقرير الصحافي من الجولان عطا فرحات


غارةُ أبو الظهور كشفت أن الصراع لم يعد على الحدود السورية وحدها، بل على شكل الدولة وجيشها وتحالفاتها. فبين شروط إسرائيلية تقيد القوة السورية، ونفوذ تركي عسكري يتوسع تحت عنوان الشراكة، تبدو حكومة دمشق أكثر تشددًا في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وأكثر تساهلًا مع الهيمنة التركية؛ لتتحول السيادة من حق وطني ثابت إلى ورقة تفاوض تُدار وفق مصالح الخارج.
قصفُ أبو الظهور لم يكنْ مجردَ غارةٍ على قاعدةٍ عسكريةٍ سورية، بل إعلانًا إسرائيليًا بأنَّ سيادةَ دمشق ستبقى مشروطة، وأنَّ إسرائيل تريدُ تحديدَ حجمِ القوةِ المسموحِ لسوريا بامتلاكِها، وهويةِ حلفائِها.
إسرائيل بررتِ القصفَ بمنعِ تمركزٍ عسكريٍّ تركي، وبعدَ أيامٍ جلسَ وزيرُ الخارجيةِ السوريُّ أسعد الشيباني معَ رئيسِ الموساد رومان غوفمان، بوساطةٍ أميركية، لاحتواءِ التصعيدِ وإحياءِ المفاوضاتِ الأمنية.
الشروطُ الإسرائيليةُ تتجاوزُ وقفَ إطلاقِ النار؛ فهي تشملُ نزعَ السلاحِ من جنوبِ غربِ سوريا، وإنشاءَ منطقةٍ عازلةٍ تنتشرُ فيها قواتُ الأممِ المتحدة، وفرضَ قيودٍ على أعدادِ القواتِ السوريةِ ونوعيةِ تسليحِها، وضمانَ أمنِ الدروز، إلى جانبِ منعِ قواعدَ تركيةٍ دائمةٍ أو راداراتٍ ودفاعاتٍ جويةٍ تهددُ حريةَ عملِ الطيرانِ الإسرائيلي.
لكنَّ التناقضَ الأكبرَ يظهرُ في الموقفِ السوريِّ من تركيا. فمنذُ عامِ ألفينِ وستةَ عشر دخلتِ القواتُ التركيةُ إلى الشمالِ السوري، وأقامتْ قواعدَ ومناطقَ نفوذ، وفرضتْ عبرَ وجودِها العسكريِّ ووكلائِها المحليينَ سيطرةً على مساحاتٍ واسعة؛ وهو وجودٌ يحملُ، عمليًا، سماتِ الاحتلالِ والهيمنة، مهما جرى تغليفُه بمصطلحاتِ التحالفِ والشراكة.
حكومةُ دمشق تطالبُ بانسحابِ إسرائيل إلى مواقعِ ما قبلَ ديسمبر ألفينِ وأربعةٍ وعشرين، لكنها لا تطرحُ انسحابًا تركيًا مماثلًا. وترفضُ أن تحددَ إسرائيلُ شكلَ الجيشِ السوري، بينما تمنحُ أنقرةَ دورًا أساسيًا في بنائِه وتدريبِه، وتقدمُ للغربِ تنازلاتٍ أمنيةً وسياسيةً مقابلَ الاعترافِ ورفعِ العقوبات.
المعادلةُ إذًا ليستْ استعادةً للسيادة، بل إدارةٌ انتقائيةٌ لها: تشددٌ أمامَ إسرائيل، وصمتٌ أمامَ تركيا، ومرونةٌ واسعةٌ أمامَ واشنطن؛ فيما تتحولُ سوريا إلى ساحةِ تفاوضٍ بينَ القوى الخارجية، وتتحولُ حكومتُها من صاحبةِ قرارٍ إلى طرفٍ يبحثُ عن شرعيتِه بثمنٍ يُدفعُ من استقلالِ البلاد.