- i24NEWS
- تحليلات وأراء
- الاستيطان الرعوي في الضفة الغربية.. كيف تُستخدم المراعي والمياه لدفع الفلسطينيين نحو التهجير؟
الاستيطان الرعوي في الضفة الغربية.. كيف تُستخدم المراعي والمياه لدفع الفلسطينيين نحو التهجير؟
تقرير فلسطيني يرصد دور البؤر الاستيطانية الرعوية بالسيطرة على المراعي ومصادر المياه،وتقويض الاقتصاد البدوي،وسط تصاعد الاعتداءات التي تدفع تجمعات فلسطينية لنزوح وتفسح المجال أمام توسع الاستيطان

لم يعد الاستيطان الرعوي في الضفة الغربية مجرد إقامة بؤر في المناطق المفتوحة، بل تحول إلى أداة للسيطرة على الأراضي والموارد الإنتاجية، وإعادة تشكيل المجال الجغرافي والديمغرافي، عبر تقويض قدرة التجمعات البدوية الفلسطينية على الاستمرار في أنماط حياتها التقليدية. وتكشف دراسة فلسطينية جديدة أن السيطرة على المراعي والمياه، بالتوازي مع الاعتداءات والقيود المفروضة على الفلسطينيين، تخلق ظروفاً اقتصادية ومعيشية تدفع السكان تدريجياً نحو النزوح، وتوسع المجال المتاح للاستيطان.
وتشير الدراسة إلى تسارع هذا النمط منذ عام 2016، مع صعود اليمين الإسرائيلي وتعاظم نفوذه في مؤسسات صنع القرار، وصولاً إلى تصاعد استهداف التجمعات البدوية بعد الحرب على غزة. وبحسب معطيات أوردتها منظمة «بتسيلم»، فقد جرى تهجير 65 تجمعاً فلسطينياً بالكامل، و18 تجمعاً بصورة جزئية، منذ تشرين الأول 2023، في مؤشر إلى اتساع الضغوط التي تواجه المجتمعات الرعوية في الضفة الغربية.
السيطرة على الأرض تبدأ من المراعي والمياه
ويرى باحثون أن أهمية الاستيطان الرعوي تكمن في قدرته على فرض سيطرة ميدانية على مساحات واسعة دون الحاجة إلى إقامة مشروعات عمرانية كبيرة، من خلال بؤر صغيرة تتوسع تدريجياً وتفرض قيوداً على وصول الفلسطينيين إلى الأراضي المحيطة بها.
وتتركز هذه البؤر في مناطق السفوح الشرقية للضفة، التي تمثل مجالاً حيوياً للرعي والأنشطة الزراعية والبدوية، رغم محدودية البنية التحتية والخدمات. ويؤدي تقليص الوصول إلى هذه المناطق إلى تفكيك منظومة إنتاج متكاملة تعتمد على المراعي الطبيعية ومصادر المياه والقطعان، وليس مجرد خسارة مساحات جغرافية.
وتكتسب هذه الآلية أهمية إضافية في ضوء تصريحات سابقة لقيادات استيطانية بشأن فاعلية الاستيطان الرعوي في السيطرة على الأراضي بتكاليف أقل، ما يعزز قراءات تعتبره أداة استراتيجية لتوسيع النفوذ الاستيطاني وإضعاف الوجود الفلسطيني في المناطق المفتوحة.
إقرأ المزيد
دعم مؤسسي للمستوطنين وقيود على الفلسطينيين
وتشير الدراسة إلى أن توسع البؤر الرعوية لا يعتمد على المبادرات الفردية للمستوطنين وحدها، بل يستند إلى منظومة دعم تشمل مؤسسات إسرائيلية ومجالس استيطانية وحماية ميدانية، إلى جانب توفير البنية التحتية والموارد اللازمة لاستمرار هذه البؤر.
وتورد الدراسة زيادة بنحو 302 مليون شيكل في ميزانية وزارة المستوطنات، وتخصيص نحو سبعة مليارات شيكل للطرق الداخلية بين المستوطنات، إضافة إلى 39 مليون شيكل لتمويل البؤر الرعوية خلال عام 2024.
في المقابل، يواجه الفلسطينيون في المناطق المصنفة «ج» قيوداً على البناء والتوسع العمراني والوصول إلى المياه وشبكات الري، فضلاً عن الاعتداءات التي تشمل تخريب المزروعات وسرقة المواشي والإضرار بالقطعان. ويرى محللون أن هذا التفاوت في الدعم والموارد يخلق بيئة غير متكافئة، تساعد المستوطنين على تثبيت وجودهم وتوسعهم، مقابل تقويض قدرة الفلسطينيين على الحفاظ على نشاطهم الاقتصادي.
الاستيطان من الأسفل.. مبادرات ميدانية تتحول إلى واقع دائم
وتفسر الدراسة ظاهرة البؤر الرعوية من خلال مفهوم «الاستيطان من الأسفل»، حيث تبدأ مجموعات من المستوطنين بإقامة بؤر في المناطق المفتوحة، ثم توسع نطاق سيطرتها على الأراضي المحيطة، في مسار لا ينفصل عن الدعم المؤسسي والحماية الميدانية.
وتربط الدراسة هذا التحول بالتغييرات الإدارية التي شهدتها إدارة الضفة الغربية، خصوصاً نقل صلاحيات مرتبطة بالمستوطنات والبنية التحتية إلى جهات مدنية إسرائيلية، بما يعزز دور الحكومة في إدارة الأرض وتوجيه التوسع الاستيطاني.
ويرى باحثون أن هذه الآلية تسمح بتحويل المبادرات الميدانية إلى وقائع يصعب تغييرها لاحقاً، مع توسيع السيطرة على الموارد والمساحات الجغرافية، دون الحاجة إلى إعلان مشاريع استيطانية واسعة منذ البداية.
تجفيف سبل العيش.. من خسارة المراعي إلى النزوح
وتحذر الدراسة من أن الأثر الأعمق للاستيطان الرعوي يتمثل في تقويض الاقتصاد المحلي للتجمعات البدوية، التي تعتمد على تربية المواشي والزراعة والمراعي الطبيعية لتأمين دخلها وغذائها.
فحرمان القطعان من المراعي يدفع الأسر إلى شراء الأعلاف ونقل المياه بتكاليف مرتفعة، ما يقلص هامش الدخل ويزيد الأعباء المالية. كما تؤدي الاعتداءات على المواشي والمزروعات، بما فيها سرقة القطعان وتخريب الأراضي الزراعية وإطلاق مواشي المستوطنين فيها، إلى خسائر إضافية تهدد استمرارية النشاط الرعوي.
ومع تراكم هذه الأعباء، تصبح الأسر أمام خيارات صعبة تشمل تقليص القطعان أو بيعها لتغطية الديون والاحتياجات الأساسية، وصولاً إلى التخلي عن النشاط الإنتاجي الذي شكل مصدر رزقها لعقود.
ويرى محللون أن هذه العملية تتجاوز الخسائر الفردية، إذ تؤدي إلى تآكل رأس المال الإنتاجي الفلسطيني، وتراجع الإنتاج الحيواني والزراعي، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، فضلاً عن فقدان فرص العمل المرتبطة بالاقتصاد الرعوي.
التهجير وإعادة تشكيل الخريطة السكانية
وتربط الدراسة بين تراجع الموارد الإنتاجية والضغوط المعيشية وبين النزوح القسري للتجمعات البدوية، مؤكدة أن مغادرة السكان لا تبدأ بالضرورة عند إخلاء المنازل، بل عندما يفقدون القدرة على الوصول إلى الأرض والمياه والمراعي التي تضمن استمرار حياتهم.
وتشير إلى أن ضعف الخدمات والبنية التحتية في المناطق البدوية يجعل الاعتماد على الأنشطة الرعوية والزراعية شرطاً أساسياً للبقاء. وعندما تتعرض هذه الأنشطة للتقويض، تتزايد احتمالات انتقال الأسر إلى القرى والمدن بحثاً عن العمل والخدمات الأساسية.
ويؤدي إفراغ التجمعات الفلسطينية من سكانها إلى تقليص الوجود الفلسطيني في المناطق المفتوحة والسفوح الشرقية، مقابل توسيع المجال المتاح للاستيطان، بما يساهم في إعادة تشكيل الخريطة الجغرافية والسكانية للضفة الغربية.
مشروع سياسي وأيديولوجي يتجاوز الاقتصاد
وتخلص الدراسة إلى أن الاستيطان الرعوي لا يمكن تفسيره باعتباره نشاطاً اقتصادياً يهدف إلى تحقيق الربح المباشر، بل يمثل جزءاً من مشروع استيطاني أوسع يقوم على توسيع السيطرة على الأرض وتعزيز الوجود الاستيطاني وتقليص المجال الفلسطيني.
فوجود المستوطنين بصورة يومية في المناطق المفتوحة، وتطوير أنشطة مرتبطة بها، يرسخ ارتباطهم بالأرض ويجعل التخلي عنها أكثر صعوبة، حتى عندما لا تكون العوائد الاقتصادية هي الدافع الأساسي.
وتكشف الدراسة عن مسار تتداخل فيه السيطرة على الأرض والمياه والمراعي مع الاعتداءات والضغوط الاقتصادية، لتتحول خسارة الموارد الإنتاجية إلى عامل يدفع نحو النزوح ويعيد توزيع السيطرة المكانية.
وبهذا المعنى، فإن المعركة على الأرض في الضفة الغربية لا تبدأ فقط بإقامة البؤر أو توسيع المستوطنات، بل بتقويض القدرة الفلسطينية على البقاء والإنتاج، في مسار يجعل التهجير نتيجة متراكمة لتفكيك سبل العيش، وليس مجرد انتقال سكاني منفصل عن سياقه السياسي والاقتصادي.
