- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- خنق الضفة الغربية بـ942 حاجزًا إسرائيليًا.. هل تتجاوز الإغلاقات الاعتبارات الأمنية إلى التهجير؟
خنق الضفة الغربية بـ942 حاجزًا إسرائيليًا.. هل تتجاوز الإغلاقات الاعتبارات الأمنية إلى التهجير؟
942 حاجزًا وعائقًا تقطع أوصال الضفة الغربية، وتفاقم الخسائر الاقتصادية وتقيّد حركة الفلسطينيين، وسط تحذيرات من توظيف الإغلاقات لترسيخ السيطرة الجغرافية والاستيطان وتهيئة بيئة طاردة للسكان.

باتت معرفة حالة الطرق والحواجز الإسرائيلية جزءًا من الروتين اليومي للفلسطينيين في الضفة الغربية. فقبل التوجه إلى العمل أو الجامعة أو زيارة مدينة أخرى، يتفقد كثيرون مجموعات إخبارية عبر تطبيق "تلغرام" لتحديد الحواجز المفتوحة والمغلقة، والازدحامات والطرق البديلة، في ظل تغير الإجراءات عند الحاجز الواحد أكثر من مرة خلال دقائق.
وتوسعت هذه القيود بصورة ملحوظة منذ اندلاع حرب غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لتتجاوز إجراءات الإغلاق التي تفرضها إسرائيل عادة خلال الأعياد والمناسبات والانتخابات، التي تركز غالبًا على المعابر المؤدية إلى إسرائيل. وأعاد قرار الجيش الإسرائيلي إغلاق المعابر مع الضفة الغربية بالتزامن مع انتخابات الكنيست، الثلاثاء، تسليط الضوء على منظومة أوسع من القيود الداخلية التي تقطع الطرق بين المدن والقرى الفلسطينية.
شبكة الإغلاقات تعيد تشكيل جغرافيا الضفة
وتكشف معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، الصادرة في 25 أيلول/سبتمبر الماضي، عن وجود 942 حاجزًا ونقطة إغلاق وعائقًا في الضفة الغربية، بينها 824 حاجزًا ونقطة إغلاق ثابتة، إضافة إلى 118 عائقًا خطيًا تشمل السواتر والخنادق وإغلاقات الطرق، وتمتد على نحو 107.7 كيلومترات.
وتتصدر منطقة الخليل القائمة بـ221 حاجزًا ونقطة إغلاق ثابتة، تليها رام الله والبيرة بـ160، ونابلس بـ120، وبيت لحم بـ78، والقدس المحتلة بـ62. كما رصدت الهيئة إضافة 13 بوابة وحاجزًا ثابتًا خلال الشهرين السابقين لنشر بياناتها، بينها عشر بوابات حديدية في محافظة جنين.
ويرى مراقبون أن هذه المنظومة تمنح الجيش الإسرائيلي قدرة واسعة على التحكم في حركة الفلسطينيين بين التجمعات السكانية، إذ يمكن لإغلاق بوابة واحدة أن يعزل قرية أو يعرقل الوصول إلى مدينة، ويفرض طرقًا بديلة تزيد أوقات التنقل وتكاليفه. كما وثقت الهيئة إقامة مستوطنين بوابات حديدية على طرق فلسطينية، بينها بوابتان قرب كفر نعمة وأم صفا في منطقة رام الله.
ويشير محللون إلى أن القيود الحالية تأتي ضمن مسار متراكم من السيطرة على حركة الفلسطينيين، يمتد من إغلاق المعابر أمام الأفراد والبضائع إلى تقييد التنقل بين المدن والبلدات، مع تشديد الإجراءات خلال المناسبات والأعياد أو تحت ذرائع أمنية، إلى جانب ارتباط بعضها بتوسيع الاستيطان.
ويضيف هؤلاء أن الإغلاقات المتزامنة مع الانتخابات الإسرائيلية ليست ظاهرة جديدة، لكن دلالتها تتزايد في ظل العمليات العسكرية في الخليل ومناطق أخرى من الضفة الغربية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين. ووفق هذه القراءة، يتواصل تفتيت جغرافيا الضفة الغربية إلى مناطق معزولة، في مقابل تعزيز الترابط بين المستوطنات وتوسيع شبكات الطرق التي تخدمها.
أولوية حركة المستوطنين
وتظهر تصريحات مسؤولين إسرائيليين توجهًا يمنح حرية حركة المستوطنين أولوية على حساب حركة الفلسطينيين. ففي آب/أغسطس 2023، قال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إن حقه وحق زوجته وأطفاله في التنقل على طرق الضفة الغربية أهم من حرية حركة الفلسطينيين، مستندًا إلى اعتبارات أمنية.
وبعد اندلاع حرب غزة، دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى إقامة مناطق عازلة حول المستوطنات والطرق التي يستخدمها المستوطنون، ومنع الفلسطينيين من دخولها، حتى لأغراض قطف الزيتون.
ويرى مراقبون أن هذه المواقف تعكس توجهات داخل اليمين الإسرائيلي نحو توسيع القيود المفروضة على الفلسطينيين، بما يتجاوز التدابير الأمنية المرتبطة بحوادث محددة، ويعزز السيطرة الإسرائيلية على الأرض وحركة السكان.
ولا تقتصر آثار الإغلاقات على الجانب الجغرافي، بل تمتد إلى الاقتصاد الفلسطيني. فقد قدرت دراسة لمعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني «ماس»، نُشرت في آذار/مارس 2025 وتناولت شمال الضفة ووسطها، خسارة نحو 191 ألف ساعة عمل يوميًا بسبب التأخير على الحواجز، بكلفة تقارب 764.6 ألف دولار يوميًا، أو 16.8 مليون دولار شهريًا، فضلًا عن نحو ستة ملايين دولار سنويًا من تكاليف الوقود الإضافية.
وتتزامن هذه الخسائر مع ارتفاع معدل البطالة في الضفة الغربية إلى 27.9% خلال الربع الثاني من عام 2026، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، الذي قدّر عدد العاطلين عن العمل بنحو 284 ألفًا، في ظل تراجع فرص العمل والنشاط الاقتصادي وتداعيات الحرب.
إقرأ المزيد
- الجيش الإسرائيلي يعزز قواته في الضفة الغربية لمواجهة عنف المستوطنين قبيل الانتخابات | i24NEWS
- بعد الاعتداء على المصورة الأمريكية في الضفة : الشرطة الإسرائيلية والشاباك يكثفان ملاحقة المستوطنين المتورطين | i24NEWS
- موسم الزيتون في الضفة مهدد.. خسائر زراعية وقيود على المزارعين وعراقيل أمام التصدير | سهيل ناصر
- الضفة الغربية بعد ثلاث سنوات من حرب غزة.. الضم الإسرائيلي يتقدم عبر خطوات متراكمة | فراس حسن
- سموتريتش في مجد الكروم.. زيارة تحت حراسة مشددة ورفض لمخططات الاستيطان | سهيل ناصر
من تقييد الحركة إلى الضغط على السكان
ويرى محللون في الشأن الإسرائيلي أن الإغلاقات لا يمكن تفسيرها بالاعتبارات الأمنية وحدها، بل ترتبط أيضًا بسياسات العقاب الجماعي والضغوط التي تدفع بها قوى اليمين الاستيطاني المشاركة في الحكومة الإسرائيلية.
ويشير هؤلاء إلى أن التصريحات المتعلقة بهدم المباني الفلسطينية ومصادرة الأراضي وتشديد الإجراءات العقابية تعكس توجهًا نحو فرض واقع طويل الأمد من القيود والسيطرة، يتقاطع مع أفكار ضم الضفة الغربية التي يدعمها التيار اليميني.
وبحسب هذه التقديرات، لا تقتصر أهداف الإغلاقات على منع تنفيذ هجمات ضد أهداف إسرائيلية، بل تشمل أيضًا زيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الفلسطينيين، وتقليص قدرتهم على العمل والتنقل والوصول إلى الخدمات، بما قد يؤثر في استقرارهم وقدرتهم على البقاء في مناطقهم.
وفي المقابل، يرى باحثون أن جذور هذه السياسة تعود إلى سنوات سابقة، لا سيما مرحلة الانتفاضة الثانية عام 2000، حين أخذت القيود على الحركة تتطور إلى منظومة أكثر تعقيدًا. ويشيرون إلى اختلاف المقاربات داخل إسرائيل، بين توجهات تسعى إلى تكريس الفصل الجغرافي وحصر الوجود الفلسطيني ضمن مناطق محددة، وتوجهات أكثر تشددًا تدعو إلى الفصل الكامل وتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية.
التهجير حاضر في الخطاب السياسي الإسرائيلي
وتتقاطع هذه القراءات عند اعتبار الإغلاقات جزءًا من منظومة أوسع تجمع بين تفتيت الجغرافيا والضغط الاقتصادي والاجتماعي، رغم اختلاف المحللين في تقدير دوافعها وأولوياتها. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل تصريحات إسرائيلية علنية بشأن تشجيع هجرة الفلسطينيين وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
وكان سموتريتش أعلن في شباط/فبراير الماضي عزمه العمل على «تشجيع الهجرة» من الضفة الغربية وقطاع غزة، وربط ذلك بإلغاء اتفاقيات أوسلو وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة.
وفي ضوء ذلك، يرى مراقبون أن خنق الضفة الغربية لا يرتبط بظرف أمني عابر أو بموسم انتخابي، بل يعكس مسارًا تراكميًا من القيود والإجراءات الاستيطانية التي تسارعت منذ الحرب على غزة. ويسهم هذا المسار في تقليص المجال الجغرافي المتاح للفلسطينيين وتقويض مقومات حياتهم الاقتصادية والاجتماعية، بما يفاقم الضغوط على قدرتهم على البقاء في مناطقهم.
ومع استمرار إقامة الحواجز والبوابات والتحكم بالطرق والأراضي، تتزايد مخاطر تحويل التجمعات الفلسطينية إلى جيوب معزولة، في وقت باتت فيه الدعوات إلى التهجير وضم الأراضي جزءًا معلنًا من الخطاب السياسي لتيارات اليمين الإسرائيلي.
