- i24NEWS
- تحليلات وأراء
- منع المنتجات الفلسطينية من دخول القدس.. كيف تحوّل القيود الإسرائيلية السوق إلى أداة ضغط تهدد الصناعة والاستثمارات؟
منع المنتجات الفلسطينية من دخول القدس.. كيف تحوّل القيود الإسرائيلية السوق إلى أداة ضغط تهدد الصناعة والاستثمارات؟
دراسة لمعهد "ماس" تحذر من خسارة المصانع الفلسطينية ما يصل إلى 30% من أسواقها، وتراجع الإنتاج إلى أقل من 60% في بعض المنشآت، وسط مخاوف من هجرة الاستثمارات وتعميق عزل القدس اقتصاديًا

تتجاوز القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول منتجات الألبان واللحوم المصنعة الفلسطينية إلى القدس الشرقية منذ نيسان 2026 حدود الإجراءات التجارية، لتشكل، وفق دراسة لمعهد ماس، أداة ضغط اقتصادي تهدد القاعدة الصناعية الفلسطينية وتعمّق عزل القدس عن محيطها الاقتصادي. وتخلص الدراسة إلى أن المنع لا يستند إلى مخالفات صحية أو فنية مثبتة، بل يعكس قراراً سياسياً واقتصادياً تتخذ فيه الاعتبارات الفنية غطاءً، وسط غياب استجابة فلسطينية مؤسسية قادرة على احتواء تداعياته.
وترى الدراسة أن القيود الإسرائيلية تثير تساؤلات بشأن مدى التزامها ببروتوكول باريس الاقتصادي والتشريعات ذات الصلة، خصوصاً في ما يتعلق بحرية انسياب السلع، وآليات التشاور والتنسيق الفني بين الجانبين، وتعطيل اللجان المشتركة المعنية بقطاع الألبان.
القدس سوق حيوية.. والمنع يضرب سلاسل الإنتاج
تشير تقديرات الدراسة إلى أن القدس الشرقية كانت تستوعب نحو 20% إلى 30% من إنتاج مصانع الألبان واللحوم المصنعة الفلسطينية، ما يجعل إغلاق هذا السوق ضربة مباشرة لقطاع صناعي يعتمد على استمرارية التوزيع والحفاظ على الحصص السوقية.
ويتحمل قطاع الألبان العبء الأكبر، نظراً إلى سرعة تلف المنتجات وصعوبة تخزينها لفترات طويلة، فيما لا تقتصر الخسائر على المصانع، بل تمتد إلى مربي الأبقار وموردي الأعلاف وشركات التغليف والنقل والتبريد، بما يهدد سلسلة إنتاج متكاملة.
وتلفت الدراسة إلى أن بعض المصانع تراجعت طاقتها الإنتاجية إلى أقل من 60%، في ظل استمرارها في الحفاظ على العمالة رغم انخفاض النشاط التجاري، الأمر الذي يفاقم استنزاف السيولة ويضع المنشآت أمام خيارات صعبة بين تقليص الإنتاج أو نقل الاستثمارات إلى الخارج.
ويرى محللون اقتصاديون أن خطورة هذه القيود لا تكمن فقط في خسارة سوق القدس، وإنما في احتمال تحولها إلى عامل بنيوي يضعف قدرة الصناعة الفلسطينية على المنافسة، ويؤدي إلى فقدان تدريجي للخبرات ورأس المال، خصوصاً إذا استمر المنع لفترة طويلة.
مبررات فنية غائبة.. وأسئلة بشأن بروتوكول باريس
وبحسب الدراسة، فإن المصانع الفلسطينية المعنية مسجلة ومرخصة وتستوفي المتطلبات الصحية والفنية ذات الصلة، في حين لم يقدم الجانب الإسرائيلي، وفق نتائجها، مبررات فنية أو قانونية واضحة تفسر قرار منع المنتجات.
وتعتبر الدراسة أن الإجراء يثير إشكاليات قانونية تتعلق بحرية حركة السلع، وتجاوز آليات اللجنة البيطرية الفرعية، وعدم الالتزام بواجب الإعلام والتشاور المسبق، إلى جانب تعطيل عمل لجنة خبراء الألبان المنصوص عليها في بروتوكول باريس الاقتصادي.
ويشير باحثون إلى أن استمرار القيود من دون قرار رسمي معلل أو مسار اعتراض قانوني واضح قد يمنحها فرصة للتحول إلى واقع اقتصادي دائم، يصعب تغييره لاحقاً، في ظل تراجع القدرة الفلسطينية على استعادة الأسواق التي تفقدها منتجاتها.
ضعف الاستجابة الفلسطينية يفاقم الأزمة
ولا تحصر الدراسة أسباب الأزمة في القيود الإسرائيلية، بل تشير أيضاً إلى ضعف استثمار الأدوات الفلسطينية المتاحة، وتشتت المسؤوليات بين المؤسسات الحكومية، وغياب جهة مركزية تتولى قيادة الملف والتفاوض بشأنه.
وتلفت إلى أن آلية التحقق المتبادل من المطابقة متوقفة منذ عام 2000، فيما لم تُستثمر علامة الجودة الوطنية وشعار «خال من المواد الحافظة» بالشكل الكافي لتعزيز ثقة المستهلك والتسويق للمنتجات الفلسطينية.
كما تحمل اتحاد الصناعات الغذائية أعباء المتابعة والتفاوض في ظل غياب تنسيق مؤسسي فعال، بينما لم تنجح المنتجات الفلسطينية في تعويض تراجع الطلب على المنتجات الإسرائيلية في السوق المحلية، مع توجه جزء كبير من الطلب نحو السلع المستوردة.
ويرى محللون أن هذا الواقع يكشف عن فجوة بين قدرة الصناعة الفلسطينية على الإنتاج واستيفاء المعايير، وبين قدرتها على حماية أسواقها وتطوير أدوات المنافسة والتسويق، ما يجعلها أكثر عرضة للقيود السياسية والتجارية.
مخاطر تتجاوز قطاع الغذاء
وتحذر الدراسة من ثلاثة مسارات محتملة لتداعيات استمرار المنع، أولها قانوني، يتمثل في تكريس القيود نتيجة غياب الاعتراض الرسمي؛ وثانيها اقتصادي، عبر استنزاف السيولة وتراجع الإنتاج وإلحاق الضرر بالقطاعات المرتبطة؛ وثالثها بنيوي، يرتبط باحتمال انتقال الاستثمارات والخبرات إلى الخارج وتراجع القاعدة الصناعية الفلسطينية.
كما ترى أن استمرار القيود يهدد بتعميق الفصل الاقتصادي للقدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، بما يتجاوز قطاع الألبان واللحوم المصنعة إلى نموذج أوسع من تقييد الوصول إلى الأسواق.
إقرأ المزيد
تحرك قانوني ودعم عاجل للمصانع
وفي مواجهة هذه المخاطر، تدعو الدراسة إلى تحرك فلسطيني قانوني وسياسي منسق، يبدأ بمطالبة إسرائيل بقرار رسمي مكتوب ومعلل بشأن المنع، وتحديد الجهة التي أصدرته وأسانيده القانونية والفنية، وصولاً إلى إطلاق مسار قضائي جماعي أمام المحاكم الإسرائيلية، بمشاركة اتحاد الصناعات الغذائية ودعم وزارة الصحة ومؤسسة المواصفات والمقاييس.
كما توصي بتفعيل اللجان المشتركة المنصوص عليها في بروتوكول باريس، وتوسيع الضغط الدولي، والاستعانة بتقييم فني مستقل لمنتجات الألبان واللحوم الفلسطينية، إلى جانب تشكيل لجنة حكومية تتولى إدارة الأزمة وتنسيق الاستجابة.
وعلى المستوى الاقتصادي، تقترح توفير دعم مالي طارئ للمصانع الأكثر تضرراً، وتوثيق الخسائر بالاستناد إلى بيانات المقاصة، وتسهيل تنويع الإنتاج وفتح أسواق خارجية، بالتوازي مع إنشاء نظام رصد موحد لحالات المنع والإرجاع على المعابر، وسجل وطني للمنشآت التي تسوق منتجاتها في القدس الشرقية.
وتخلص الدراسة إلى أن معركة المنتجات الفلسطينية في القدس لا تتعلق فقط بحرية التجارة أو الخلاف على المعايير الفنية، بل بقدرة الاقتصاد الفلسطيني على الحفاظ على أسواقه وقاعدته الإنتاجية في مواجهة القيود المتزايدة. ويحذر باحثون من أن غياب استجابة مؤسسية عاجلة قد يحول خسارة السوق إلى تراجع طويل الأمد في الاستثمار والإنتاج، ويعمق الانفصال الاقتصادي بين القدس الشرقية ومحيطها الفلسطيني.
