بعد المونديال.. الملاعب العملاقة التي تحولت الى منشآت فارغة ومبان مهجورة
انطلقت بطولة كأس العالم - وحان الوقت لتذكّر الجانب المظلم من أكبر الأحداث الرياضية في العالم • من ديون أثينا وحتى الملاعب التي تحولت لمواقف حافلات: هكذا تتحول الاستثمارات الضخمة إلى أفيال بيضاء

في حين أن مباريات المونديال تجري في أوجها في الولايات المتحدة، كندا والمكسيك - هذا هو الوقت لتذكّر أنه إلى جانب الشرف العظيم والمجد، استضافة مباريات الرياضة الكبرى ليست دائمًا مربحة. تُفرض على الدول المضيفة نفقات مالية هائلة، حيث يبني العديد منها بنى تحتية جديدة - ملاعب، قرية أولمبية، برك سباحة وغيرها من الصفر تقريبًا.
ولكن بعد مغادرة العديد من الرياضيين والسياح، لا يتمكنون دائمًا من الحفاظ على نجاحهم، بل وحتى الوقوع في ديون ضخمة قد يستغرق إصلاحها سنوات. أما بالنسبة للملاعب التي تم بناؤها باستثمارات ضخمة، فإن الكثير منها لا يدرك الأمن، وفي بعض الحالات يتم التخلي عنها لأنه ببساطة لا علاقة لها بها. هؤلاء هم الأفيال البيضاء في الأحداث الرياضية الكبرى، الذين لم يصعدوا إلى منصة التتويج.
أثينا 2004: من استضافة الأحلام إلى أزمة اقتصادية
في عام 2004، شعرت عاصمة اليونان التي تأسست فيها الألعاب الأولمبية بحماس كبير لاستضافتها، بعد مئة عام من استضافتها الأولى للدورة الافتتاحية للألعاب الأولمبية الحديثة في عام 1896. كانت الدولة تعاني من عجز اقتصادي معين لكنه لم يكن كبيراً، ورغم ذلك أقدمت على المهمة بكل قوة. استثمرت موارد كبيرة، بما في ذلك ترميم منشآت قائمة، وبناء بنية تحتية جديدة من الصفر، من ضمنها نظام مواصلات عامة جديد، واستثمرت في الأمن وأيضاً في برامج تدريبية لرياضييها.
في نهاية المطاف، تجاوزت اليونان الميزانية الأصلية (التي بلغت 5.5 مليار دولار) بمبلغ يقارب 6.9 مليار دولار، وبالمجموع استثمرت في استضافة الألعاب حوالي 12.4 مليار دولار. هذا التجاوز الكبير شكّل في حينه حوالي 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وساهم بشكل كبير في أزمة الديون الاقتصادية الحادة التي وقعت فيها اليونان في نهاية العقد – أزمة لا تزال تجد صعوبة في التعافي منها حتى اليوم.
جزء كبير من هذه الاستثمارات أفاد اليونان بالفعل على المدى الطويل؛ المترو، المطار الحديث، الطرق وسكة الحديد الضاحية لا تزال تخدم ملايين السكان والسياح. المشكلة المركزية كانت في مرافق الرياضة نفسها. العديد منها بُني من أجل أنواع رياضة التي كانت شبه غير موجودة في الدولة (مثل السوفتبول، البيسبول، وهوكي الحقل)، ومنذ أن انطفأ الشعلة الأولمبية – ببساطة لم يكن هناك من يستخدمها. وبالاقتران مع الأزمة الاقتصادية، أصبحت تكاليف الصيانة عبئًا ثقيلًا، وتُركت المرافق وتعرضت للإهمال.
حالياً، مجمع الرياضة في غالاتسي، مسار التجديف في شنيس والملاعب المخصصة لتنس الطاولة والجودو، جميعها مهجورة، مغطاة بالغرافيتي، الأشواك والزجاج المكسور. المسبح الأولمبي الذي سبح فيه أعظم الرياضيين قد فرغ وتحول إلى مكب نفايات مرتجل لمخلفات البناء، بينما مسارات الكاياك والقوارب الثمينة جفت تماماً.
البرازيل: من حدثين ضخمين - إلى فجوة هائلة في الجيب
البرازيل هي مثال بارز لدولة استثمرت موارد هائلة في استضافة حدثين رياضيين عملاقين في وقت قصير: مونديال 2014 وأولمبياد ريو 2016. حسب التقديرات، الدولة استثمرت في البطولتين معًا مبلغًا فلكيًا يتراوح بين 20 إلى 30 مليار دولار، وأصبحت مثالًا كلاسيكيًا لبناء منشآت بدون خطة استخدام طويلة الأمد.
أكبر مشكلة كانت بناء ملاعب عملاقة في مدن لا توجد فيها فرق كرة قدم محلية كبيرة يمكنها ملؤها. ملعب "مانه غارينشا" في برازيليا كلّف مئات ملايين الدولارات وأصبح من أغلى الملاعب في العالم، لكن في غياب نادٍ كروي رائد في المدينة، تحوّل لفترة طويلة إلى موقف حافلات ومساحات لمكاتب حكومية.
تم بناء ملعب "أرينا دي أمازونيا" في ماناوس في قلب الأمازون بتكلفة تقارب 270 مليون دولار، رغم انتقادات عامة واسعة بسبب عدم وجود نادٍ كروي دائم في المنطقة. استضاف الملعب أربعة مباريات فقط في المونديال، وظلت تكاليف صيانته مرتفعة جدًا، حيث أُقيمت فيه مباريات خلال بعض السنوات أمام مئات المشجعين فقط. ومع ذلك، لم يُهجر المكان تمامًا، ويستضيف اليوم فعاليات مجتمعية، معارض وحتى حفلات زفاف لزيادة الإيرادات. كما عانى ملعب "أرينا بانتانال" في كويابا من مشاكل في البناء ومر بفترات طويلة من قلة الاستخدام والإهمال.
في أولمبياد ريو 2016 لم تكن الصورة مختلفة. فورا بعد الألعاب نُشرت صور لمرافق مهملة، مقاعد مقلوعة وبرك سباحة فارغة. استاد ماراكانا الأسطوري وقف مهجوراً لفترة بسبب نزاعات مالية وتخريب، والحديقة الأولمبية عانت من إهمال شديد. بالمقابل، كانت هناك أيضاً مرافق فُككت وتم تحويلها مسبقاً، مثل استاد السباحة الذي استُخدمت أجزاؤه لإنشاء مرافق مجتمعية، و"فيوتشر أرينا" التي استُخدمت موادها لبناء مدارس.
جولة في المنشآت المهجورة من الألعاب الأولمبية حول العالم
سوتشي 2014: رؤية باهظة الثمن بدون مقابل
عندما استضافت روسيا ألعاب الشتاء، كان الهدف واضحًا: تحويل مدينة المنتجع الواقعة على شاطئ البحر الأسود إلى وجهة سياحية دولية ورمز للقوة الوطنية. ولهذا الغرض استثمرت مبالغ هائلة (حوالي 51 مليار دولار) في تطوير المدينة، وبناء منشآت رياضية جديدة، وإقامة بنى تحتية واسعة النطاق. إلا أنه في السنوات التي تلت الأولمبياد بدأت تتعالى الانتقادات أكثر فأكثر بشأن بعض المشاريع التي استثمرت فيها أموال طائلة، لكنها لم تنجح في تبرير نفسها على المدى الطويل.
على سبيل المثال، في منطقة ساحل سوتشي تم بناء آلاف غرف الفنادق والشقق توقعًا لموجة سياحة مستمرة، لكن في نهاية المطاف تبيّن أن الطلب أقل بكثير من التوقعات. وصف الزوار الذين وصلوا إلى المنطقة بعد الأولمبياد أحياءً جديدة ذات إشغال جزئي، شوارع خالية ومواقف سيارات كبيرة بقيت شبه فارغة.
حتى في الحديقة الأولمبية في أدلر، التي بُنيت تقريبًا من الصفر لاستضافة معظم المنافسات، كانت في مركز الانتقادات. رغم أن بعض القاعات استمرت في استضافة فعاليات ومنافسات، إلا أن حجم النشاط كان أقل بكثير مما كان مطلوبًا لتبرير الاستثمار الضخم. أظهرت صور من الأعوام 2015-2018 مناطق واسعة بدت خالية نسبيًا مقارنة بما بُني من أجلها.
ومع ذلك، سوتشي ليست قصة فشل كامل. استاد فيشت، الذي استضاف حفلات الافتتاح والاختتام، تم تجديده فيما بعد واستضاف مباريات في كأس العالم 2018، في حين أن مضمار سوتشي أوتودروم استخدم لسباقات الفورمولا 1 لسنوات. كما تواصل مواقع التزلج في المنطقة العمل وجذب الزوار. ومع ذلك، لا يزال كثيرون يرون في سوتشي مثالاً كلاسيكياً للفجوة بين الرؤية الأولمبية الطموحة وبين الواقع بعد انطفاء الأضواء. لذلك، يعتبرها كثيرون أحد أغلى وأقل المشاريع الأولمبية كفاءة في التاريخ.
مونتريال 1976: جرس إنذار لعمدة المدينة
رئيس بلدية مونتريال الأسطوري، جان درابو، صرّح قبل افتتاح الألعاب الأولمبية الصيفية بثقة أن "الأولمبياد لا يمكن أن تخسر مالاً، تماماً كما لا يمكن لرجل أن يلد طفلاً". لكن الواقع صفع وجه المدينة بسرعة، وتركها مع عجز مالي هائل ومبانٍ أصبحت عبئاً ثقيلاً.
في قلب المأساة وقف الملعب الأولمبي الرئيسي، الذي حظي بلقب المشبوه "The Big Owe" (الدين الكبير) - تلاعب بالألفاظ على شكله الدائري والديون التي تسبب بها. الملعب، الذي صممه المهندس المعماري الفرنسي روجيه تايليبير، تميز ببرج مائل ضخم وسقف متحرك معقد كانا من المفترض أن يكونا واجهة المدينة. لكن بسبب الإضرابات، والإخفاقات الهندسية، والفساد، لم يكتمل بناء السقف والبرج أساسًا في الوقت المناسب للألعاب. افتُتح الملعب وهو غير مكتمل، واستمرت الأعمال عليه لسنوات طويلة بعد ذلك، بينما تضخمت تكاليف الصيانة والإصلاحات التي لا تنتهي.
فريق البيسبول المحلي، "مونتريال إكسبوز"، استخدمه لفترة معينة لكنه غادر بسبب هيكله الغريب والبارد، كما أن السقف المتطور كان يعاني من تمزقات متكررة تحت وطأة الثلوج الكندية، مما استدعى استثمارات بمئات ملايين الدولارات فقط لمنع انهياره. بالمقابل، حصل الفيلودروم المجاور (مسار الدراجات) على حياة جديدة ناجحة وتم تحويله إلى "بيودوم" - متحف طبيعي مزدهر.
الدين الأولمبي لمونتريال تضخم إلى مبلغ فلكي قدره 1.5 مليار دولار ورافق سكان المدينة لمدة ثلاثة عقود. فقط في عام 2006 تمكنت المدينة من تسوية الدين بالكامل، وذلك بشكل أساسي بفضل ضريبة تبغ خاصة فرضت على المواطنين. قصة مونتريال غيرت إلى الأبد النظرة الدولية وأدت إلى ولادة نموذج "المرافق المؤقتة".
كأس العالم 2010: توقعات كبيرة بدون جمهور مستهدف
كأس العالم في جنوب أفريقيا اعتُبر حدثًا تاريخيًا، لكنه أيضًا أثار تساؤلات حول الإرث الاقتصادي للبنى التحتية التي أُقيمت من أجله. قبيل البطولة تم بناء وتجديد ملاعب جديدة في مدن مختلفة، على أمل أن يكون بمقدور كرة القدم المحلية والسياحة تبرير الاستثمار الكبير حتى بعد انتهاء المباريات.
في الواقع، ظل بعض الملاعب ذات استخدام محدود نسبيًا بعد البطولة. على سبيل المثال، كان ملعب كيب تاون وملعب مبومبيلا مرافق مثيرة للإعجاب للغاية، لكنهما واجها صعوبة في الامتلاء بشكل منتظم أو في تحقيق إيرادات جارية بالحجم الذي خُطط له مسبقًا. بعد كأس العالم، تم تقليص عدد المقاعد في ملعب كيب تاون من 64 ألفًا إلى 55 ألفًا.
المشكلة الرئيسية لم تكن جودة الملاعب نفسها، بل الفجوة بين حجم الاستثمار ومستوى الطلب المحلي على كرة القدم من حيث الأحداث الدولية المتكررة. في بعض الحالات، تحولت تكاليف الصيانة المرتفعة إلى تحدي لتشغيل الملاعب بشكل مستمر بالنسبة للسلطات المحلية. مع ذلك، لم يتم التخلي عن كل المنشآت أو تحويلها لغير صالحة للاستخدام، فبعضها ما زال يستضيف مباريات وأحداث، حتى وإن لم يكن ذلك بالحجم الذي يبرر البناء الأصلي.
تُثبت تاريخ الأحداث الرياضية الكبرى أن الأضواء الساطعة وحفلات الافتتاح الفخمة تستمر لأسابيع معدودة، لكن الفواتير الاقتصادية تبقى على عاتق المواطنين لأجيال. المشاريع التي تكلف مليارات الدولارات وتتحول إلى ملاعب أشباح فارغة، تبرز الأهمية الحاسمة للتخطيط طويل الأمد، الفعال والواقعي. بعد بضعة أسابيع، عندما ينطلق المونديال القادم، ستتجه أنظار العالم إلى أرض الملعب، لكن الاختبار الحقيقي سيبدأ في اليوم التالي بالذات - عندما تنتهي الاحتفالات، ويحين وقت دفع الحساب.
