- i24NEWS
- الشرق الأوسط
- المحكمة العليا الإسرائيلية تتدخل في ملف تهجير مخيمات الضفة.. هل يتراجع الجيش؟
المحكمة العليا الإسرائيلية تتدخل في ملف تهجير مخيمات الضفة.. هل يتراجع الجيش؟
المحكمة تمنح السلطات مهلة لتقديم جدول زمني وخطة لتلبية الاحتياجات الإنسانية، من دون إلزام الجيش بإنهاء التهجير، وسط تحذيرات من استمرار هدم المنازل وتكريس الوجود العسكري في المخيمات الثلاثة.

لم يفتح قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بشأن مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس الطريق أمام عودة عشرات آلاف الفلسطينيين الذين هُجّروا قسرًا منذ كانون الثاني/يناير 2025، إذ اكتفت المحكمة بمطالبة السلطات باتخاذ خطوات تمهيدية ووضع جدول زمني واضح لعودة السكان، من دون إصدار أمر ملزم بإعادتهم أو تحديد موعد لذلك. وفي المقابل، رفض وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس تدخل المحكمة في قرار إبقاء القوات داخل المخيمات، ملوّحًا بتشريع يكرّس الوجود العسكري فيها، فيما وصف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش القرار بأنه خطر أمني.
وأصدرت المحكمة، الأحد، قرارها بشأن التماسات قدمها سكان من المخيمات الثلاثة ضد قائد قوات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، ووزير الجيش، ورئيس ما تسمى «الإدارة المدنية»، على خلفية تداعيات العملية العسكرية التي أطلق عليها الجيش اسم «الجدار الحديدي»، وبدأها في كانون الثاني/يناير 2025.
وتتناول الالتماسات استمرار منع السكان من العودة إلى منازلهم، بالتزامن مع هدم مبانٍ وتدمير طرق وبنى تحتية وتغيّر معالم المخيمات بفعل العمليات العسكرية.
وطالبت المحكمة السلطات بتسريع الإجراءات التمهيدية لعودة السكان، وتحديد جدول زمني واضح، وتقديم معلومات محدثة بشأن الأوضاع الإنسانية واحتياجات السكان، لكنها أشارت إلى أن الظروف الأمنية اللازمة لعودتهم لم تتوفر بعد، رغم مرور فترة طويلة على بدء العملية العسكرية.
كما أمهلت النيابة الإسرائيلية حتى 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 لتقديم إفادة محدثة تتضمن رد الدولة على الادعاءات المتعلقة بالاستجابة للاحتياجات الإنسانية للسكان.
وصدر القرار عن هيئة من ثلاثة قضاة، هم رئيس المحكمة يتسحاق عميت، وأليكس شتاين، وخالد كبوب. ولا يتضمن القرار أمرًا مباشرًا بإنهاء التهجير، ما يبقي موعد العودة الفعلية مرتبطًا بالإجراءات اللاحقة وموقف المؤسسة العسكرية.
إقرأ المزيد
قرار قضائي لا يبدد مخاوف المهجّرين
شكك رئيس اللجنة الشعبية في مخيم طولكرم، فيصل سلامة، في إمكانية ترجمة القرار إلى خطوات عملية، مشيرًا إلى عدم وجود مؤشرات واضحة على انسحاب القوات الإسرائيلية من المخيمات أو السماح للسكان بالعودة إلى منازلهم.
وقال سلامة إن صدور القرار لا يعني بالضرورة تنفيذه، مشددًا على ضرورة تحديد موعد واضح لخروج القوات الإسرائيلية من المخيمات، وإلزام الجهات العسكرية بتنفيذ ما تقرره المحكمة.
وأشار إلى تجارب سابقة عززت مخاوف السكان من عدم الالتزام بالقرارات القضائية، موضحًا أن مؤسسة «عدالة» تقدمت، بتفويض من عائلات لاجئة، بشكاوى أدت إلى صدور قرار بوقف مؤقت لعمليات هدم المنازل، لكن القوات الإسرائيلية واصلت، بحسب قوله، عمليات الهدم وإجبار السكان على المغادرة وإفراغ المخيمات.
واعتبر سلامة أن القرارات القضائية والمواقف الصادرة عن المؤسسات الحقوقية لا توفر ضمانات كافية ما لم تقترن بإجراءات تنفيذية، لافتًا إلى أن مستقبل المخيمات لا يرتبط بالاعتبارات القانونية وحدها، بل يتأثر أيضًا بالتوجهات السياسية للحكومة الإسرائيلية.
ورأى أن استمرار الوجود العسكري داخل المخيمات تحت ذرائع أمنية يتجاهل طبيعتها بوصفها تجمعات مدنية للاجئين الفلسطينيين، محذرًا من أن يؤدي استمرار التهجير إلى تفكيك هذه المخيمات وتقويض قضية اللاجئين المرتبطة بالنكبة عام 1948.
وتعكس هذه المخاوف اتساع الفجوة بين المسار القضائي والواقع الميداني؛ فالقرار، رغم مطالبته الدولة بتقديم جدول زمني وخطوات تمهيدية، لا يضمن بحد ذاته وقف الهدم أو تهيئة الظروف اللازمة لعودة آمنة ومستدامة.
كاتس يتمسك ببقاء الجيش وسموتريتش يهاجم القضاة
ورفض وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس تدخل المحكمة العليا في العمليات العسكرية بالضفة الغربية، معتبرًا أن استمرار وجود القوات داخل مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس مسألة عملياتية وأمنية، وليست مسألة قانونية.
وقال كاتس إنه وضع، بالتعاون مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، تصورًا أمنيًا جديدًا للضفة الغربية فور توليه منصب وزير الجيش، وأصدر تعليمات بتغيير نمط العمليات في المخيمات من الاقتحامات المتكررة والانسحاب إلى البقاء الدائم.
ووصف كاتس المخيمات الثلاثة بأنها تحولت إلى بؤر للمقاومة المسلحة، متفاخرًا بتهجير نحو 40 ألفًا من سكانها وتدمير منازل وبنى تحتية فيها. وادعى أن هذه الإجراءات أسهمت في خفض العمليات المسلحة في الضفة الغربية بنسبة 80%، وتقليص القدرة على تنفيذ هجمات داخل إسرائيل.
وبرر الوزير استمرار الوجود العسكري بضرورة حماية الجنود والمستوطنين، محذرًا مما وصفه بتهديدات من جماعات مسلحة تنشط من الخارج وتحظى بدعم إيران وجماعة الإخوان المسلمين، وتسعى إلى تنفيذ هجمات مشابهة لهجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 في الضفة الغربية.
وأكد كاتس رفضه تقديم تنازلات بشأن بقاء القوات داخل المخيمات، معتبرًا أن المحكمة لا ينبغي أن تتدخل في الاعتبارات الأمنية والعمليات العسكرية، ومشيرًا إلى إمكانية سن تشريعات في الكنيست لترسيخ هذا التوجه.
من جانبه، وصف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش قرار المحكمة بأنه «متهور»، مدعيًا أن القضاة الثلاثة يعرضون إسرائيل للخطر، وأن السماح بعودة السكان قد يتيح إعادة بناء البنية التحتية للفصائل الفلسطينية المسلحة داخل المخيمات.
وربط سموتريتش القرار بهجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وشن هجومًا حادًا على القضاة، داعيًا رئيس الحكومة ووزير الجيش إلى عدم التعاون مع القرار، ومتعهدًا بمواصلة ما تسميه الحكومة «الإصلاحات القضائية» للحد من تدخل المحاكم في القضايا الأمنية والعسكرية.
وتكشف هذه المواقف عن خلاف بين المطالب القضائية المتعلقة بوضع جدول زمني لعودة السكان وموقف وزراء في الحكومة الإسرائيلية يتمسكون باستمرار السيطرة العسكرية على المخيمات، وهو ما يثير تساؤلات بشأن فرص تنفيذ القرار وحدود قدرة المحكمة على التأثير في السياسة العسكرية للحكومة.
دلالات قانونية وسياسية تتجاوز المخيمات
واعتبر مراقبون أن رفض كاتس قرار المحكمة كان متوقعًا، في ضوء تمسك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية باستمرار وجودها داخل المخيمات، مشيرين إلى أن القرار قد يوفر للمنظمات الحقوقية أساسًا إضافيًا للتحرك أمام الهيئات الدولية والضغط لإنهاء التهجير وتمكين السكان من العودة.
وأشاروا إلى أن القرار يضع الدولة الإسرائيلية أمام ضرورة تقديم معلومات وخطوات وجدول زمني واضح، في وقت لم تتمكن فيه، وفق هذه القراءة، من إقناع المحكمة بأن استمرار إخلاء المخيمات ومنع السكان من العودة يستند إلى اعتبارات أمنية تبرر إبقاء هذا الوضع من دون إطار زمني محدد.
لكن محدودية القرار تترك الباب مفتوحًا أمام استمرار الوضع القائم، إذ لم تحدد المحكمة موعدًا نهائيًا للعودة ولم تصدر أمرًا مباشرًا بإنهاء التهجير. ومن ثم، سيعتمد أثره العملي على الإجراءات التي ستقدمها الدولة في المرحلة المقبلة، ومدى استعداد السلطات العسكرية للالتزام بأي جدول زمني تطرحه.
وفي ظل رفض وزراء بارزين التدخل القضائي، يتحول الملف إلى اختبار للعلاقة بين القضاء والمؤسسة العسكرية والحكومة، فضلًا عن انعكاساته على الوضع الإنساني وحقوق السكان المهجّرين.
الأمم المتحدة: أكثر من 33 ألف فلسطيني هُجّروا قسرًا
كانت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان قد أفادت، في تقرير نشرته في الرابع من أيلول/سبتمبر الماضي، بأن القوات الإسرائيلية هجّرت قسرًا أكثر من 33 ألف فلسطيني من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس خلال كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2025، مؤكدة أن السكان ما زالوا ممنوعين من العودة إلى منازلهم.
وتناول التقرير، الصادر بعنوان «تدمير مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في شمال الضفة الغربية»، عمليات قتل مدنيين وتدمير مئات المنازل وإلحاق أضرار بالطرق والبنى التحتية، فضلًا عن قطع المياه والكهرباء وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية. كما وثّق انتقال القوات الإسرائيلية من منزل إلى آخر لإجبار السكان على المغادرة.
وبحسب التقرير، كانت 52% من المباني في مخيم جنين قد دُمرت أو تضررت بحلول تشرين الأول/أكتوبر 2025، مقابل 48% في مخيم نور شمس و36% في مخيم طولكرم.
ونقل التقرير عن فلسطينيين مهجّرين قولهم إن ضباطًا في الجيش الإسرائيلي أبلغوهم بأنه «لن تكون هناك مخيمات لاجئين بعد الآن»، مشيرًا إلى أن التهجير واسع النطاق والممتد والمنهجي لأكثر من 33 ألف شخص يثير مخاوف جدية بشأن احتمال ارتكاب جريمة ضد الإنسانية تتمثل في التهجير القسري.
وتُعد المخيمات الثلاثة جزءًا من شبكة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي أُنشئت في أعقاب ما يسميه الفلسطينيون النكبة عام 1948، وتتولى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» تقديم الخدمات فيها.
