روسيا تزاحم فرنسا في إفريقيا.. هل ينجح بوتين في السيطرة على معاقل النفوذ الفرنسي؟
توسع روسي في مجالات الأمن والطاقة والتجارة يقابله تراجع فرنسي في الساحل، وسط مساعٍ إفريقية لاستثمار التنافس الدولي وتنويع الشراكات دون الوقوع تحت وصاية قوة جديدة

لم تكن القمة الروسية الإفريقية الثالثة في موسكو مجرد لقاء دبلوماسي، بل محطة تعكس تحولات أوسع في علاقة القارة الإفريقية بالقوى الدولية، وسط تراجع النفوذ الفرنسي في أجزاء من الساحل، وصعود روسيا بوصفها شريكاً أمنياً وسياسياً، ومحاولات إفريقية لإعادة صياغة علاقاتها الخارجية على أساس تعدد الخيارات والمصالح.
وجمعت القمة، التي عقدت يومي 28 و29 تشرين الأول/أكتوبر، وفوداً من 48 دولة إفريقية، بينها 22 دولة ممثلة برؤسائها، مقارنة بـ17 رئيساً في قمة سان بطرسبورغ عام 2023. وتعكس المشاركة الواسعة اهتماماً متزايداً بتوسيع العلاقات مع موسكو، لكنها لا تعني بالضرورة انتقال القارة إلى معسكر روسي، بقدر ما تكشف رغبة متنامية في تنويع الشراكات الدولية.
موسكو تستثمر في ذاكرة التحرر
استعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال القمة، الإرث السوفييتي في دعم حركات التحرر الإفريقية، مقدماً روسيا باعتبارها شريكاً لا يحمل تاريخ الاستعمار الأوروبي نفسه.
واتهم بوتين القوى الغربية بمحاولة الحفاظ على امتيازاتها القديمة، محذراً من إعادة الدول الإفريقية إلى ما وصفه بـ«عبودية الديون»، ومؤكداً استعداد موسكو لتوسيع التعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة والتعليم والصناعة.
وتحاول روسيا من خلال هذه الخطاب الجمع بين الذاكرة التاريخية والمصالح المعاصرة، مستفيدة من حساسية الاستعمار في القارة، ومن التراجع الذي شهدته علاقات فرنسا مع عدد من الدول الإفريقية.
لكن الرهان الروسي يتجاوز استعادة التعاطف التاريخي، إذ تسعى موسكو إلى بناء شبكة من الشراكات السياسية والأمنية والاقتصادية تمنحها حضوراً أوسع في القارة، وتدعم موقعها في مواجهة الغرب.
إقرأ المزيد
- المرصد السوري يكشف كواليس تعيين 68 دبلوماسيًا ودور تركيا في قرارات الشيباني | الصحافي من الجولان عطا فرحات
- فرانكفورت تدخل موجة الاحتجاجات في أوروبا.. إحراق أعلام إسرائيل في باريس وتصاعد التوتر في ألمانيا | i24NEWS
- فرنسا في حالة تأهب قصوى: إعادة نشر 70 ألف شرطي تزامنا مع موعد المظاهرات واحتفالات عيد الهالوين | i24NEWS
الساحل.. تراجع فرنسا وصعود روسيا
تبدو التحولات أكثر وضوحاً في منطقة الساحل، حيث أنهت مالي وبوركينا فاسو والنيجر تعاونها العسكري مع فرنسا، وانسحبت القوات الفرنسية من الدول الثلاث، بالتزامن مع توسع التعاون الأمني والعسكري مع موسكو.
ومع تراجع مجموعة «فاغنر»، برز «فيلق إفريقيا» المرتبط بوزارة الدفاع الروسية، في تحول يعكس اتجاهاً نحو إدارة أكثر مباشرة للنشاط العسكري الروسي في القارة.
وتوفر هذه الشراكة للحكومات الإفريقية المعنية بدائل أمنية في مواجهة الجماعات المسلحة، فيما تمنح موسكو نفوذاً سياسياً واستراتيجياً في منطقة كانت فرنسا تعدها لسنوات مجالاً رئيسياً لحضورها العسكري.
غير أن نتائج هذا التعاون لا تزال موضع تساؤل. فالجماعات المسلحة تواصل نشاطها في الساحل، فيما أثارت عمليات عسكرية روسية اتهامات بانتهاكات بحق المدنيين، ما يضع قدرة موسكو على تحويل النفوذ الأمني إلى استقرار مستدام أمام اختبار صعب.
السلاح لا يكفي.. موسكو تبحث عن اقتصاد موازٍ
تدرك روسيا أن تعزيز حضورها الإفريقي لا يمكن أن يستمر اعتماداً على التعاون العسكري وحده، خصوصاً في ظل المنافسة مع الصين والاتحاد الأوروبي، اللذين يمتلكان قدرات تجارية واستثمارية أكبر بكثير.
وبحسب الأرقام التي عرضها بوتين، تجاوزت التجارة الروسية الإفريقية 27 مليار دولار عام 2025، مقابل نحو 16.8 مليار دولار عام 2019، لكنها لا تزال دون هدف الأربعين مليار دولار الذي أعلنته موسكو سابقاً.
وتكشف المقارنة حجم الفجوة؛ إذ بلغت تجارة الصين مع إفريقيا نحو 348 مليار دولار في 2025، فيما قاربت تجارة الاتحاد الأوروبي مع القارة 395 مليار دولار.
وتحاول موسكو توسيع علاقاتها التجارية لتشمل الحبوب والأسمدة والطاقة والتعدين والتكنولوجيا، إلى جانب مشاريع الطاقة النووية التي تقودها شركة «روساتوم»، وفي مقدمتها محطة الضبعة المصرية.
وتراهن روسيا على أن المشاريع طويلة الأمد في الطاقة والبنية التحتية والتعليم قد تمنحها حضوراً أكثر استدامة من الصفقات العسكرية، وتفتح أمامها فرصاً لتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي.
إفريقيا تريد شراكات.. لا وصاية جديدة
لم تكن القمة منصة روسية خالصة، إذ حمل القادة الأفارقة مطالب تتعلق بإعادة تشكيل النظام الدولي وزيادة تمثيل القارة في المؤسسات الدولية.
ودعا الرئيس الكيني وليام روتو إلى إصلاح بنية النظام الدولي بما يعكس واقع العالم الحالي، لا توازنات عام 1945، في إشارة إلى غياب إفريقيا عن العضوية الدائمة في مجلس الأمن.
وتتقاطع المطالب الإفريقية مع المصالح الروسية في الدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب، لكن دوافع الطرفين مختلفة. فموسكو تبحث عن توسيع شبكة شركائها في مواجهة الغرب، فيما ترى دول إفريقية في تعدد مراكز القوة فرصة للحصول على استثمارات وسلاح وتكنولوجيا ودعم سياسي، دون الارتهان لشريك واحد.
وتعكس هذه المقاربة تحولاً في السياسة الخارجية الإفريقية، حيث لم يعد التقارب مع روسيا يعني بالضرورة القطيعة مع أوروبا أو الولايات المتحدة، كما لم يعد التعاون مع الصين يمنع بناء علاقات مع تركيا أو دول الخليج.
هل تستطيع موسكو ملء الفراغ الفرنسي؟
رغم المكاسب الروسية، تبدو فكرة إحلال موسكو محل باريس بالكامل مبالغاً فيها. ففرنسا خسرت قواعد عسكرية وشراكات سياسية مهمة، خصوصاً في الساحل، لكن علاقاتها الاقتصادية والثقافية والدبلوماسية مع إفريقيا لم تختف.
وفي المقابل، لا تزال روسيا بعيدة عن الوزن التجاري والاستثماري للصين والاتحاد الأوروبي، فيما يتركز حضورها بصورة أكبر في المجالات الأمنية والسياسية والطاقة.
ويرى مراقبون أن التحولات الجارية لا تعكس انتقال النفوذ من عاصمة أوروبية إلى أخرى بقدر ما تشير إلى تراجع فكرة المجالات الحصرية التي حكمت علاقات القوى الخارجية بالقارة لعقود.
فإفريقيا باتت مساحة تنافس بين أطراف متعددة، لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى تحويل هذا التنافس إلى أداة لتحسين شروط التفاوض والحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية.
اختبار موسكو يبدأ بعد القمم
بالنسبة إلى روسيا، تمثل اللحظة الراهنة فرصة لتثبيت حضورها في قارة تتراجع فيها بعض مراكز النفوذ التقليدية، مستفيدة من رصيد تاريخي وعلاقات أمنية متنامية وحكومات تبحث عن بدائل.
لكن تثبيت هذه المكاسب يتوقف على قدرة موسكو على تقديم استثمارات ومشاريع إنتاجية وفرص عمل ونقل للتكنولوجيا، وليس الاكتفاء بالخطاب السياسي أو التعاون العسكري.
وفي المقابل، تبدو عواصم إفريقية أكثر إدراكاً لقيمة المنافسة الدولية عليها، وتسعى إلى توظيفها بما يخدم مصالحها الاقتصادية والتنموية.
وبهذا المعنى، قد لا يكون السؤال الأهم بعد قمة موسكو هو ما إذا كانت روسيا ستنتصر على فرنسا في إفريقيا، بل ما إذا كانت القارة ستنجح في تحويل سباق القوى الكبرى نحوها إلى فرصة لتعزيز استقلالية قرارها وتحسين شروط شراكاتها الدولية.
