- i24NEWS
- تحليلات وأراء
- الاقتصاد الفلسطيني تحت الحصار والحرب.. كيف تحولت الضفة وغزة إلى أزمة اقتصادية مفتوحة؟
الاقتصاد الفلسطيني تحت الحصار والحرب.. كيف تحولت الضفة وغزة إلى أزمة اقتصادية مفتوحة؟
انكماش الاقتصاد في الضفة الغربية وانهيار قطاعات واسعة في غزة يفاقمان البطالة والفقر، وسط خسائر زراعية متراكمة وأزمة مالية متصاعدة واحتياجات لإعادة الإعمار تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات.

بعد ثلاث سنوات من الحرب، يواجه الاقتصاد الفلسطيني تراجعًا حادًا في الإنتاج وفرص العمل والقدرة على توليد الدخل، مع تفاوت واضح بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ففي غزة، أدت العمليات العسكرية والإضرار الواسعة التي لحقت بالمنشآت والبنية التحتية إلى شلل قطاعات اقتصادية رئيسية، فيما تواجه الضفة الغربية تباطؤًا اقتصاديًا بفعل القيود المفروضة على الحركة والتجارة والعمل، إلى جانب أزمة مالية متفاقمة.
وتشير المؤشرات الاقتصادية إلى أن تداعيات الحرب لا تقتصر على تراجع الناتج المحلي وارتفاع البطالة، بل تمتد إلى تقلص قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية، وتراجع السيولة لدى المنشآت، وتزايد الاعتماد على المساعدات والاقتراض. ويرى محللون أن استمرار هذه الظروف يضعف فرص التعافي، ويزيد صعوبة استعادة النشاط الاقتصادي حتى مع توافر التمويل اللازم.
الضفة الغربية.. انكماش اقتصادي وضغوط على سوق العمل
تراجع النشاط الاقتصادي في الضفة الغربية خلال سنوات الحرب، في ظل القيود على الحركة والوصول إلى الموارد والأسواق، وما يرافقها من ارتفاع تكاليف النقل والتشغيل وتأخر وصول العمال والبضائع. ووفق بيانات الإحصاء الفلسطيني ومعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني «ماس»، انكمش الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية بنحو 18%.
وأدت هذه الظروف إلى زيادة الضغوط على المنشآت التجارية والإنتاجية، والحد من قدرتها على توسيع أعمالها أو الاستثمار في أنشطة جديدة. كما ساهمت تجزئة السوق في إضعاف حركة السلع والعمال بين المناطق، ما قلّص قدرة الاقتصاد على استيعاب الباحثين عن العمل والحفاظ على الوظائف القائمة.
ومع تقلص الإنتاج وفرص العمل، تراجعت قدرة الأسر على توليد الدخل، فيما اضطرت عائلات إلى الاعتماد بصورة أكبر على الاقتراض والمساعدات أو مصادر دخل خارج مناطق إقامتها. وينعكس ذلك على الإنفاق الاستهلاكي، مع تأجيل بعض الأسر نفقات التعليم والصحة والاحتياجات الأساسية، في وقت تتقلص فيه فرص العمل المتاحة أمام الشباب.
وتظهر بيانات سوق العمل اتساع الأزمة؛ إذ ارتفعت البطالة في الضفة الغربية من نحو 13% قبل الحرب إلى قرابة 28% في الفترة اللاحقة، فيما انخفض متوسط الأجر اليومي الحقيقي من 47.1 دولار إلى 38.1 دولار، بتراجع يقارب 19%.
ويربط مراقبون هذا التراجع بالقيود المفروضة على تصاريح العمل والتنقل والوصول إلى أماكن العمل، إلى جانب محدودية قدرة السوق المحلية على توفير بدائل كافية للعمال الذين فقدوا وظائفهم. كما تؤدي الحواجز والتأخيرات إلى استنزاف ساعات العمل وزيادة تكاليف الإنتاج، فيما ينعكس انقطاع الدخل على قدرة الأسر على تغطية نفقاتها، ويؤدي تراجع الاستهلاك بدوره إلى انخفاض مبيعات المنشآت وتزايد الضغوط عليها.
وتطال التداعيات النساء أيضًا، في ظل تزايد المسؤوليات المعيشية للأسر وتراجع الموارد المتاحة، ما يدفع بعضهن إلى البحث عن مصادر دخل بديلة في سوق محدودة الفرص.
أزمة مالية تضغط على المؤسسات والأسر
تواجه السلطة الفلسطينية أزمة مالية متفاقمة في ظل استمرار الخلافات بشأن إيرادات المقاصة والاقتطاعات الإسرائيلية منها، ما يحد من الموارد المتاحة لدفع الرواتب وتمويل الخدمات العامة وتسديد المستحقات للقطاع الخاص.
وارتفع الدين العام الرسمي من نحو 3.5 مليارات دولار قبل الحرب إلى 4.7 مليارات دولار في النصف الأول من عام 2026، بالتزامن مع تراجع نسبة الرواتب التي تصرفها الحكومة للموظفين العموميين من 80 إلى 85% قبل الحرب إلى نحو 50% خلال العام الجاري.
وتنتقل آثار الأزمة المالية إلى السوق المحلية، إذ يؤدي تأخر دفع المستحقات الحكومية إلى إضعاف السيولة لدى الموردين والمقاولين، ويحد من قدرتهم على دفع الأجور ومواصلة التشغيل. كما يؤدي تراجع رواتب الموظفين إلى انخفاض الإنفاق الاستهلاكي، بما يضغط على مبيعات الشركات والمتاجر وفرص العمل.
ويرى محللون أن استمرار الأزمة يضع المؤسسات الفلسطينية أمام معادلة صعبة: المحافظة على الخدمات العامة والالتزامات المالية، في وقت تتقلص فيه الموارد المتاحة. وقد يؤدي ذلك إلى تحميل الأسر أعباء إضافية للحصول على بعض الخدمات، فيما تتزايد الضغوط على المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على حركة السوق المحلية.
موسم الزيتون.. خسائر في الإنتاج والدخل
تضاف إلى الضغوط الاقتصادية الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي، ولا سيما أشجار الزيتون التي تمثل مصدر دخل رئيسيًا لآلاف العائلات الفلسطينية. وتشمل التحديات صعوبة الوصول إلى الأراضي، وتضرر الأشجار، وسرقة المحاصيل، في ظل تصاعد الاعتداءات المرتبطة بموسم القطاف.
وحتى نهاية سبتمبر/أيلول 2026، بلغ عدد أشجار الزيتون المتضررة 98,293 شجرة، فيما تجاوزت خسائر المحصول 66.5 مليون دولار، ووصلت الخسائر الإجمالية للقطاع إلى نحو 128.7 مليون دولار، وفق بيانات وزارة الزراعة الفلسطينية.
ومع بدء موسم القطاف، وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 136 اعتداءً مرتبطًا بالموسم حتى 12 أكتوبر/تشرين الأول، شملت منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وقطف ثمارهم، وسرقة المحاصيل وإتلاف الأشجار.
وتشير تقارير إلى امتداد بعض حالات الاستيلاء على المحاصيل إلى مراحل عصر الزيت وتسويقه، بما في ذلك عرض زيت للبيع بعد نقله إلى بؤرة استيطانية. ويؤدي فقدان المحصول إلى حرمان المزارعين من عائد موسم كامل، فضلًا عن زيادة الأعباء على الأسر التي تضطر إلى شراء منتجات كانت تعتمد على إنتاجها الذاتي.
ويحذر مراقبون من أن استمرار الأضرار التي تلحق بأشجار الزيتون وتعذر الوصول إلى الأراضي قد يؤديان إلى تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع تكاليف المعيشة، فضلًا عن زيادة صعوبة استمرار العائلات الزراعية في أراضيها، في ظل تقلص مصادر الدخل البديلة.
غزة.. انهيار قطاعات اقتصادية واسعة
في قطاع غزة، أدت الحرب والأضرار الواسعة التي لحقت بالمساكن والمنشآت والبنية التحتية إلى تراجع غير مسبوق في النشاط الاقتصادي، بالتزامن مع نزوح أعداد كبيرة من السكان وتدهور القدرة على توفير الغذاء والمياه والمأوى والرعاية الصحية.
ووفق تقرير لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد»، تضررت أو دمرت 92% من المنشآت الاقتصادية في القطاع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. كما انخفض الناتج المحلي الإجمالي من 659.6 مليون دولار في الربع الثاني من عام 2023 إلى 152.2 مليون دولار في الربع الثاني من عام 2026، بانكماش يقارب 77%.
وتعني هذه الأرقام أن قطاعات واسعة فقدت مواقع العمل والأصول التي كانت توفر الدخل وفرص التشغيل، فيما تراجعت قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها من مواردها الخاصة. ومع استمرار النزوح وتعطل الأنشطة الإنتاجية، ازدادت أهمية المساعدات والإمدادات الإنسانية، في ظل القيود المفروضة على دخول البضائع والمواد اللازمة لتلبية الاحتياجات الأساسية.
ولم يقتصر التراجع على المنشآت الفردية، بل امتد إلى قطاعات رئيسية. فقد انخفض الإنتاج الزراعي والصناعي بنسبة 94% لكل منهما، فيما تراجع نشاط البناء بنسبة 99% مقارنة بعام 2022.
وأدى تراجع الزراعة إلى تقلص المحاصيل المتاحة للاستهلاك والتسويق، فيما أضعف توقف المصانع الروابط بين المنتجين والموردين والعمال. كما حدّ انهيار قطاع البناء من إمكان إصلاح المساكن والمرافق وإعادة تشغيل المهن المرتبطة به، في وقت تعاني فيه المنشآت الصغيرة والمبادرات العائلية من نقص المعدات والطاقة والمواد ومواقع العمل.
تراجع الدخل واستنزاف مدخرات الأسر
مع انهيار الإنتاج وفقدان مصادر الرزق، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في غزة بنسبة 83% مقارنة بعام 2022، وهو مؤشر على حجم التراجع في الناتج الاقتصادي المتاح قياسًا بعدد السكان، ولا يعني بالضرورة انخفاض دخل كل فرد بالنسبة نفسها.
وتواجه الأسر هذه الظروف من خلال استنفاد مدخراتها، والاقتراض، وبيع ما تبقى من ممتلكاتها لتغطية نفقات الغذاء والإيواء والعلاج. وفي بعض الحالات، قد يشمل ذلك بيع أدوات ومعدات كان يمكن استخدامها في أنشطة مدرة للدخل، ما يوفر احتياجات عاجلة على حساب فرص الكسب مستقبلًا.
ويرى باحثون أن هذه الظاهرة تعكس انتقال الأزمة من فقدان الدخل إلى تآكل الأصول التي يمكن أن تساعد الأسر على استعادة استقلالها الاقتصادي. فمع تراجع القدرة على تمويل التعليم أو إطلاق مشروعات صغيرة أو الانتقال إلى مساكن أكثر استقرارًا، تتقلص الخيارات المتاحة أمام العائلات لتجاوز الأزمة.
وامتد الانهيار إلى سوق العمل، إذ ارتفعت البطالة من نحو 45% قبل الحرب إلى قرابة 85% خلال الحرب، فيما انخفض متوسط الأجر اليومي الحقيقي من 16 دولارًا إلى 2.1 دولار، بتراجع يقارب 87%.
وأدى فقدان الوظائف إلى تقليص قدرة غالبية العاملين على توفير دخل منتظم، فيما تراجعت قيمة الأجور المتبقية إلى مستويات لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية. ويواجه الشباب تحديات إضافية نتيجة انقطاع فرص اكتساب الخبرة والمهارات وممارسة المهن، في حين باتت معيشة أعداد متزايدة من الأسر تعتمد على المساعدات والأنشطة المؤقتة.
ويحذر محللون من أن تدمير مواقع العمل لا يؤدي فقط إلى خسارة الوظائف الحالية، بل يهدد أيضًا الخبرات والمهارات والعلاقات المهنية التي يحتاجها الاقتصاد لإعادة تشغيل منشآته واستئناف الإنتاج.
إقرأ المزيد
- كبار قادة الأمن الإسرائيليين يصفون هجمات المستوطنين بـ 'الإرهاب' | i24NEWS
- الضفة الغربية: إصابة في هجوم طعن وتحييد المنفذة | i24NEWS
- الجيش الإسرائيلي يعزز قواته في الضفة الغربية لمواجهة عنف المستوطنين قبيل الانتخابات | i24NEWS
- بعد الاعتداء على المصورة الأمريكية في الضفة : الشرطة الإسرائيلية والشاباك يكثفان ملاحقة المستوطنين المتورطين | i24NEWS
- موسم الزيتون في الضفة مهدد.. خسائر زراعية وقيود على المزارعين وعراقيل أمام التصدير | سهيل ناصر
إعادة الإعمار.. فاتورة مرتفعة وتحديات مستمرة
تُقدّر الأضرار المادية الناجمة عن الحرب في غزة بنحو 35.2 مليار دولار، فيما تبلغ الخسائر الاقتصادية والاجتماعية نحو 22.7 مليار دولار، وفق التقييم المشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.
أما احتياجات التعافي وإعادة الإعمار، فتُقدّر بنحو 71.5 مليار دولار، بحسب تقديرات الأونكتاد الصادرة في سبتمبر/أيلول 2026، منها 26.3 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى، وفق التقييم المشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وتشمل الأولويات الأساسية لإعادة التعافي إصلاح المساكن والبنية التحتية والخدمات العامة، وإعادة تشغيل المنشآت الإنتاجية والتجارية، وتوفير فرص العمل للقوى العاملة التي فقدت مصادر دخلها.
لكن مراقبين يرون أن حجم التمويل المطلوب لا يمثل التحدي الوحيد، إذ ترتبط فرص التعافي أيضًا بالظروف الأمنية والسياسية، وإمكان إدخال مواد البناء والمعدات، وضمان استمرارية المشروعات التي يجري تمويلها. ومن دون بيئة تسمح بإعادة بناء الأصول وحمايتها من الأضرار المتجددة، ستظل الاستثمارات معرضة لخطر فقدان قيمتها قبل تحقيق عوائد اقتصادية واجتماعية.
كما تبرز أهمية تحديد أولويات إعادة الإعمار وفق الاحتياجات الفعلية للسكان، مع التركيز على السكن والخدمات واستعادة القدرة الإنتاجية، وضمان توجيه التمويل إلى المشروعات التي تتيح فرص عمل مستدامة وتقلل الاعتماد طويل الأمد على المساعدات.
تعافٍ مرهون بتغير الظروف
تكشف المؤشرات الاقتصادية في الضفة الغربية وقطاع غزة عن أزمة تتجاوز الانكماش المؤقت في الناتج أو ارتفاع البطالة، لتطال الأصول الإنتاجية والمدخرات والقدرة على توليد الدخل مستقبلًا. ففي غزة، أدى الدمار الواسع إلى تعطيل قطاعات اقتصادية رئيسية، فيما تواجه الضفة الغربية ضغوطًا ناتجة عن القيود على الحركة والعمل والتجارة، إلى جانب الأزمة المالية وتراجع القدرة الشرائية.
ويرى محللون أن استمرار هذه الظروف قد يعمّق الاعتماد على المساعدات ويطيل أمد التعافي، خصوصًا عندما تضطر الأسر إلى استهلاك مدخراتها أو بيع ممتلكاتها لتغطية النفقات اليومية، بينما تعجز المنشآت عن تمويل التشغيل والاستثمار.
وتبقى استعادة النشاط الاقتصادي مرتبطة بإعادة تأهيل البنية التحتية والمنشآت، وتحسين فرص الوصول إلى الأسواق والعمل، وتوفير الموارد اللازمة للخدمات العامة، إلى جانب استقرار الظروف التي تسمح باستمرار الإنتاج والاستثمار. ومن دون هذه المتطلبات، ستظل قدرة الاقتصاد الفلسطيني على تعويض خسائره محدودة، حتى مع ضخ تمويل إضافي لإعادة الإعمار والتنمية.
